الشيخ السبحاني

69

مفاهيم القرآن

وما ذكره من أنّ المراد من اتخاذ السبيل هو الإيمان والطاعة يرجع إلى ما ذكرنا من أنّه يطلب إجابة دعوته والاتّباع للحق ، وتلاوة القرآن والعمل بما فيه ، والكل يرجع إلى أمر واحد ، وهو أنّه لا يطلب سوى العمل بالشريعة والاتّباع للدين الحنيف ، ومن ذلك يظهر أنّ تفسير « اتخاذ السبيل » بالإنفاق في سبيل اللَّه وإعطاء الصدقة تفسير بالمصداق وليس اتخاذ السبيل منحصراً فيه . قال الطبرسي : ما أسألكم عليه : على القرآن وتبليغ الوحي من أجر تعطونيه إلّا من شاء أن يتخذ إلى ربِّه سبيلًا بإنفاقه ماله في طاعة اللَّه واتّباع مرضاته ، والمعنى : لا أسألكم لنفسي أجراً ، ولكن لا أمنع من إنفاق المال في طلب مرضاة اللَّه سبحانه ، بل أرغب فيه وأحث عليه ، وفي هذا تأكيد للصدق ، لأنّه لو طلب على تبليغ الرسالة أجراً لقالوا إنّما يطلب أموالنا . « 1 » * وجه الجمع بين الأجرين الظاهريين هذا هو معنى إيجاب اتخاذ السبيل الوارد في الآية ، وهو لا يفترق عن إيجاب المودة في القربى لغرض الوصول إلى الشريعة والتعرّف على أحكامها والعمل بما فيها من الفرائض والتجنب عن المنهيات ، لأنّ مودّتهم الحقيقية كما عرّفناك لا تفترق عن الاتّباع لأقوالهم والاقتداء بأعمالهم وهو نفس الاتّباع للشريعة والعمل بما فيها من الأحكام ونفس استجابة دعوة النبي صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم ، فعادت الآيتان متوافقتي المضمون ومتحدتي المعنى . فالنبي صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم لم يطلب في كلتا الآيتين سوى العمل بالشريعة وإجابة دعوته ، وهو يحصل من طريق المودة في القربى كما يحصل من الإيمان بالنبي ومودّته ، ولا معنى للمودة الحقيقية إلّا العمل بقول المحبوب والاقتداء به فيما يأمر وينهى ،

--> ( 1 ) مجمع البيان : 4 / 175 .