الشيخ السبحاني
51
مفاهيم القرآن
الاختياري لا يقع تحت دائرة الطلب مطلقاً ، لا تحت دائرة الأمر ولا تحت دائرة النهي ، بينما نرى القرآن ينهى عن مودة الكفّار وأعداء اللَّه ويقول وهو يصف المؤمنين : « لَا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ » . « 1 » كما يقول سبحانه : « يَا أَيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِياءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ » . « 2 » والآية الأُولى وإن كانت تخبر في الظاهر عن أحوال المؤمنين إلّا أنّ المقصود منها هو الحث على الاجتناب عن مودتهم ومحبتهم . إذا كانت المودة - لأجل كونها أمراً خارجاً عن الاختيار - لا يتعلق بها الأمر لماذا نجد الرسول العظيم صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم يدفع المسلمين إلى التوادد والتحابب ممثلًا لذلك بمثل جميل ورائع حيث يقول : « مثل المؤمنين في توادّهم ، وتراحمهم ، وتعاطفهم مثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى » . « 3 » وهذا الحديث ونظائره كثيرة في الأحاديث الإسلامية ، وكلّها تعطي أنّ المودة موضوع قابل للطلب ، كما أنّ المحدثين عقدوا في موسوعاتهم الحديثية أبواباً من قبيل باب « الحب في اللَّه » وباب « البغض في اللَّه » وأدخلوا في هذه الأبواب مجموعات كبيرة من الأحاديث التي تبدو منها بجلاء الدعوة إلى التوادد والتحابب بين الأُمّة الإسلامية ونبذ الكفار وعدم موالاتهم .
--> ( 1 ) المجادلة : 22 . ( 2 ) الممتحنة : 1 . ( 3 ) مسند أحمد : 4 / 7 ، والتاج : 5 / 17 ، نقلًا عن صحيحي البخاري ومسلم .