الشيخ السبحاني
45
مفاهيم القرآن
آمن به واتبعه ، وإنّما هو مناسب لظرف آخر مثل أواخر عهد الرسالة . الطريق الثاني : لتمييز مكيّة الآيات عن مدنيتها هو الرجوع إلى النصوص الواردة في هذا المورد عن العلماء وكبار المفسرين ، فإذا كان هو الميزان لمعرفة الآيات المكية من المدنية فإنّنا نجد المفسرين - وبالأخص أُولئك الذين ألّفوا كتباً حول مواضع نزول الآيات والسور - يقولون : إنّ سورة الشورى مكيّة إلّا أربع آيات أُولاها قوله تعالى : « قُل لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إلّا المَوَدَّةَ في القُربَى » فهذا إبراهيم بن عمر البقاعي الذي ألّف كتاباً في هذا المضمار وأسماه « نظم الدرر وتناسق الآيات والسور » يقول في كتابه هذا : سورة الشورى مكية إلّا الآيات 23 ، 24 ، 25 و 27 . « 1 » والواقع أنّه لم يكن البقاعي وحده هو القائل بمدنية هذه الآية ، وإنّما قال به عدّة من المفسرين منهم : نظام الدين النيسابوري ، صاحب التفسير الكبير يقول في ابتداء تفسيره لسورة الشورى : سورة الشورى مكية إلّا أربع آيات ومنها آية المودّة في القربى نزلت في المدينة . « 2 » ويقول الخازن في تفسيره : سورة الشورى مكية ، ونقل عن ابن عباس أنّ أربع آيات منها نزلت في المدينة أولاها : « قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إلّا المودَّةَ في القُربى » ( ثم يضيف قائلًا ) : وليست هذه الآيات الأربع مدنية فحسب بل هناك آيات أُخرى نزلت بالمدينة أيضاً ، فقد ذهب فريق إلى أنّ الآيات من 39 إلى 44 أيضاً مدنية . « 3 »
--> ( 1 ) راجع تاريخ القرآن للزنجاني : 58 . والبقاعي هذا هو برهان الدين أبو إسحاق إبراهيم بن عمر الشافعي ، ولد عام 809 ه ، وتوفّي في دمشق عام 885 ه . قال في كشف الظنون : 2 / 605 : وهو كتاب لم يسبقه إليه أحد جمع فيه من أسرار القرآن ما تتحير فيه العقول . ( 2 ) تفسير النيسابوري : 3 / 312 . ( 3 ) تفسير الخازن : 4 / 94 .