الشيخ السبحاني

17

مفاهيم القرآن

بعجماوات الحيوان ، وسنّة اللَّه تعالى واحدة ، فهو يعامل القرون الحاضرة بمثل ما عامل به القرون الخالية . إلى أن قال : فاختيار ما قاله مجاهد هو الأوفق بالعبرة والأجدر بتحريك الفكرة . « 1 » ونحن لسنا - هنا - في صدد تفسير الآية وتوضيح مفادها ، غير أنّه - إيقافاً للقارئ الكريم على الحقيقة - نلفت نظره إلى أُمور تثبت ما نسبناه إلى هذه الجماعة من موقف خاص تجاه المعاجز والكرامات وما شاكلها ، وهذه الأُمور هي : أوّلًا : أنّ المشهود من تفسير صاحب المنار أنّه مقلّد قوي للسلف في أكثر الموارد والمجالات ، فلماذا عدل في هذا المضمار ، واختار القول الشاذ ، أعني : قول مجاهد ؟ ! ثانياً : كيف رضيت نفسه أن يفسر الآية بمثل قوله سبحانه : « مثل الذين حمّلوا التوراة ثم لم يحملوها . . . » مع أنّ المذكور في تلك الآية إنّما هو على سبيل المثل ، فإنّ لفظة « مثل » تنادي بأنّ حالهم - في عدم الفهم والانتفاع بالتوراة - كمثل الحمار الحامل للكتب والأسفار من دون فهم لما فيها ، لا أنّهم حمر بالهيئة والصورة والحقيقة ، وهذا بخلاف ظاهر الآية الحاضرة ، فإنّها بظاهرها حاكية عن أنّهم صاروا قردة حقيقيّين لا أنّهم صاروا مثلهم مثل القردة ؟ ! ثالثاً : لماذا غفل الأُستاذ عما ورد في تلك القصة في سورة الأعراف من قوله سبحانه : « فَلَمّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ أنجَيْنا الّذِينَ يَنْهَونَ عنِ السُّوءِ وأخَذْنا الّذِينَ ظَلَمُوا بِعذابٍ بَئِيسٍ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ * فَلَمّا عَتَوْا عَن ما نُهُوا عَنْهُ قُلنا لَهُم كُونُوا قِرَدَةً خاسِئين » . « 2 » ؟ !

--> ( 1 ) تفسير المنار : 1 / 343 - 345 . ( 2 ) الأعراف : 165 - 166 .