الشيخ السبحاني
64
مفاهيم القرآن
نحن نسأله لماذا نسي أو تناسى قوله سبحانه في نفس هذه السورة ( الأنعام ) الدالّ على عمومية رسالته ، وأن اللَّه سبحانه أمره أن ينذر بكتابه كلّ من بلغه هتافه في أقطار الأرض وأرجاء العالم . وقال سبحانه : « قُلْ أيُّ شَيءٍ أكبرُ شَهدَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَينَكُم وأُوحِىَ إلَيَّ هذا القُرءَانُ لأُنذِرَكُم بهِ وَمَن بَلَغَ أئِنَّكُم لَتَشهَدُونَ أنّ مع اللَّهِ آلهَةً اخرَى قُل لا أشهَدُ قُل إنَّما هُو إلهٌ وحِدٌ وإنَّنِي بريءٌ مِمّا تُشرِكُونَ » ( الأنعام - 19 ) . وصريح هذه الآية أنّه - صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم - أمرلينذر بقرآنه كلّ من بلغه ووصل إليه هتافه ، عربياً كان أو أعجمياً ، شرقياً كان أم غربياً ، فلماذا أخذ الكاتب بالإشعار الضعيف وترك التصريح على خلافه مع كونهما في سورة واحدة ؟ ! فلو أنّه كتب ما كتب بدافع التحقيق والبخوع للحقائق ، فلماذا فتح بصره وألقى أسدالًا على بصيرته فاعتمد على الاشعار ورفض التصريح . ومن المتحتمل أنّه رأى الآيتين ، لكنّه حسب أنّ اللَّه تعالى نقض كلامه الوارد في ابتداء السورة بختامها وهو سبحانه يقول : « وَلَوْ كَانَ مِن عِندِ غَيرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلفاً كَثيراً » ( النساء - 82 ) . نحن لا نميط الستر عن نواياه وضمائره وهو قد وقف على هذه الآية وغيرها مما سردناه من الآيات الدالّة على عالمية رسالته ، لكن الظاهر أنّه لا يستهدف بذلك إلّا تعكير الصفو وبث بذور الشك في قلوب السذّج والبسطاء من الامّة الإسلامية لغاية هو أعرف بها وإن كان لا يفوتنا عرفانها . والحق أنّه - صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم - لم يكن في دعوته وانذاره بدعاً من الرسل ، فقد مشى في ابلاغه على سنن من قبله من المرسلين ، فالمسيح كان رسول اللَّه ، إلى أُمّة كبيرة أوسع من بني إسرائيل « 1 » ، ومع ذلك كلّه فقد بدأ هتافه بكونه رسولًا إلى بني إسرائيل مع أنّه رسول
--> ( 1 ) - نعم لم يثبت كون المسيح مبعوثاً إلى الناس أجمع ، كما سيوافيك بيانه في هذا البحث بل كان مبعوثاً إلى امّة كبيرة أوسع من بنياسرائيل ، لما ثبت من بعثه - عليها السَّلام - رسلًا من حوارييه وتلاميذه إلى الأمم التي لا تمت إلى بني إسرائيل بصلة ، وهو دليل على أوسعية نطاق رسالته من بني إسرائيل .