الشيخ السبحاني

26

مفاهيم القرآن

كاملًا ويعرض آراءه على الآيات القرآنية لا الآيات على ما يعتقده . والطريق المفيد لتفسير القرآن ، أن لا يروم المفسّر ، تفسير كتاب اللَّه سبحانه وقلبه ممتلئ بآراء وأفكار تخصّه ، ولا يتقدم إليه باحثاً عمّا قد يؤيد آراءه وأفكاره بل أن يتقدم إليه ليكتشف مقاصده ومراميه ، فإنّ العقيدة التي يمتلئ بها الشخص تملك عليه كل تفكيره ، ولا تترك له سبيلًا إلى المقاصد التي يستهدفها الكتاب . إنّ أحسن المناهج المتّبعة في التفسير ، عرض بعض الآيات على بعضها والاستمداد من الأحاديث الإسلامية الصحيحة لاستخراج المعاني والمفاهيم القرآنية استخراجاً صحيحاً . فيجب لاتّباع الطريقة المستقيمة في التفسير مراعاة الشرطين التاليين : 1 - تفسير القرآن بالقرآن : إنّ القرآن الكريم يؤكد بأنّه تبيان لكل شيء حيث يقول : « ونزَّلنا عليكَ الكِتبَ تِبيناً لِكُلِّ شيءٍ » ( النحل : 89 ) ، فالقرآن حيث يكون موضّحاً لكل شيء كما هو مصرّح في هذه الآية ، فهو موضّح لنفسه أيضاً ، إذ لا معنى لأن يكون القرآن تبياناً لكل شيء ولا يكون تبياناً لنفسه فلابد أن يوضح أيضاً ما يبدو أنّه غامض في نفسه ، ومعنى هذا ، أنّه يمكن استيضاح بعض الآيات لفهم المراد من البعض الآخر . القرآن كلّه « هدى » و « بيّنة » و « فرقان » و « نور » كما في قوله تعالي « شَهرُ رَمضانَ الّذي أُنزلَ فِيهِ القرءَانُ هُدىً للناسِ وبيّنتٍ مِنَ الهُدى والفُرقانِ » ( البقرة : 185 ) وقوله تعالى : « وأنزَلنَا إليكُم نوراً مُبِيناً » ( النساء : 174 ) . والكتاب الذي يحتوي على هذه المزايا لا محيص من الاعتراف بأنّه يرفع عن نفسه ما يظن فيه من الالتباس والغموض ، ذلك لأنّه لا يمكن أن يكون كتاباً فارقاً بين الحق والباطل ، ونوراً هادياً للبشرية ، وبرهاناً مرشداً إلى ما فيه الصواب ثم يكون في جملة من آياته تعقيد يتيه الانسان في فهمه والتوصل إلى مفاهيمه . وعليه يجب الرجوع إلى الآيات نفسها لفهم ما أُشكل من الآيات الأُخرى التي تشبهها .