الشيخ السبحاني
23
مفاهيم القرآن
لا يتوصل إلى كل ما فيه من الحقائق والاسرار ، لأنّه منزل من عند اللَّه الذي لا تتصور له نهاية ، ولا يمكن تحديده بحدود وأبعاد ، فيجب أن تكون في كتابه لمعة من لمعاته ، ويثبت بنفسه أنّه من عنده ، ويتوفر فيه ما يدل على أنّه كتاب سماوي ليس من صنع البشر ، وهو خالد إلى ما شاء اللَّه تعالى . أنّ نبي الإسلام العظيم - صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم - هو أوّل من لفت الأنظار إلى تلكم المزيّة وأنّ هذه المزيّة من أهم خصائصه ، حيث يقول في وصفه له : « له ظهر وبطن وظاهره حكم وباطنه علم ، ظاهره أنيق وباطنه عميق ، له نجوم وعلى نجومه نجوم ، لا تحصى عجائبه ، ولا تبلى غرائبه ، فيه مصابيح الهدى ومنار الحكمة » « 1 » . وبعد النبي يأتي دور أول تلميذ لمدرسته وهو الإمام أمير المؤمنين - عليه السَّلام - ليصف القرآن بقوله : « أنزل عليه الكتاب نوراً لا تطفأ مصابيحه ، وسراجاً لا يخبو توقده ، وبحراً لا يدرك قعره . . . - إلى أن قال - : وينابيع العلم وبحوره ، ورياض العدل وغدرانه ، وأثافي الإسلام وبنيانه ، وأودية الحق وغيطانه ، وبحر لا ينزفه المنتزفون وعيون لا ينضبها الماتحون ، ومناهل لا يغضيها الواردون » « 2 » . وسأل رجل علي بن موسى الرضا - عليه السَّلام - فقال : ما بال القرآن لا يزداد عند النشر والدرس إلّاغضاضة ؟ فقال : « إنّ اللَّه تعالى لم يجعله لزمان دون زمان ولا لناس دون ناس فهو في كل زمان جديد وعند كل قوم غض إلى يوم القيامة » « 3 » . نرى أن الرضا - عليه السَّلام - لا يشير في هذا الحديث إلى موضوع خلود القرآن فقط ، بل يشير أيضاً إلى سرخلوده وبقائه غضاً جديداً لا يتطرق إليه البلى والذبول . ويجب أن نذكّر القارئ بأنّ النبي وأئمّة أهل البيت - عليهم السَّلام - لم يكونوا وحدهم هم الذين لفتوا الأنظار إلى موضوع آفاقه اللامتناهية ، بل عظماء العرب والعارفون منهم
--> ( 1 ) الكافي ، كتاب القرآن ، ج 2 ، ص 599 . ( 2 ) شرح نهج البلاغة لعبده ، ج 2 ، ص 202 . ( 3 ) البرهان في تفسير القرآن ، ج 1 ، ص 28 .