الشيخ السبحاني

106

مفاهيم القرآن

كسيته من الخز ، وكأنّه قيل اصبر كما صبر الرسل من قبلك على أذى قومهم ، ووصفهم بالعزم لأجل صبرهم وثباتهم « 1 » . ويؤيد ذلك قوله سبحانه : « وإذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ ومِنْكَ ومِن نُوحٍ وإِبْرهِيمَ ومُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وأَخَدْنَا مِنْهُم مِيثَاقاً غَلِيظاً » ( الأحزاب - 7 ) . فإنّ إضافة الميثاق إلى النبيين دليل على أنّ الميثاق المأخوذ منهم بوصف كونهم من النبيين غير الميثاق المأخود منهم بوصف كونهم من بني آدم الذي يشير إلى ذلك الميثاق قوله سبحانه : « وإذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسَتُ بِرَبّكُمْ قالُوا بَلَى » ( الأعراف 172 ) . فالآية الأولى تدل على أخذ الميثاق من النبيين عامة وأخذ الميثاق وإن كان لا يدل على العزم الراسخ لكن سكوت القرآن عن نقضهم لهذا الميثاق وبما هم أنبياء معصومون من كل عصيان ، يشعر أو يدل على قيامهم بالميثاق الغليظ الذي يتوقف على العزم الراسخ والإرادة القوية التي تستتبع الصبر والثبات . وأمّا تخصيص الخمسة بالذكر فهو لعظمة شأنهم ورفعة مكانهم لكونهم أصحاب الشرائع والكتب لا لانحصار ذاك الوصف فيهم ، كما يمكن أن يتوهم فقد خصّ اللَّه سبحانه هؤلاء الخمسة بالذكر في مورد آخر وقال : « شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحاً والّذِي أَوْحَيْنا إِليْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبرهِيمَ ومُوسَى وعِيسَى أنْ أَقِيمُوا لدِّينَ ولَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ » ( الشورى - 13 ) . وقد أشار سبحانه إلى أخذ الميثاق من الأنبياء جميعاً في قوله : « وإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّيَن لَما آتَيْتُكُمْ مِن كِتابٍ وحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدّقٌ لِما مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ ولَتَنصُرُنَّهُ قَالَ ءأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذلِكُم إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنا » ( آل عمران - 81 ) « 2 » .

--> ( 1 ) - مجمع البيان ج 5 ص 94 . ( 2 ) - وقد بسّط الطبرسي الكلام في تفسير الآية فراجع ج 1 ص 468 .