الشيخ السبحاني
88
مفاهيم القرآن
ولقد أثار إخفاق المسلمين وهزيمتهم في هذه المعركة ، واستشهاد القادة الثلاثة ؛ لوعةً ونقمةً في نفوس المسلمين اتّجاه الروم . كما أنّه زاد من جرأة جيوش الروم ، ولأجل ذلك توجّه الرسول الأكرم صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم إلى تبوك في السنة التاسعة يقصد غزو ذلك الجيش المعادي ، ولكنّه لم يلق أحداً فأقام في تبوك أياماً ، وصالح أهلها على الجزية ، وقد حققت هذه الحملة هدفاً كبيراً وبعيداً على الصعيد السياسيّ وأنست تقهقر الجيش الإسلاميّ المحدود في طاقاته ، أمام جحافل الروم المجهّزة بأحسن تجهيز « 1 » . ولم يكتف النبيّ صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم بهذه الحملة ؛ بل عمد في أخريات حياته إلى بناء جيش إسلاميّ بقيادة ( أسامة بن زيد ) لمواجهة جيش الروم « 2 » . 3 - خطر المنافقين إنّ الدارس للمجتمع الإسلاميّ إبّان الدعوة الإسلاميّة ، والمطّلع على تركيبته يجد ، أنّ ذلك المجتمع كان يزخر بوجود المنافقين بين صفوفه . والمنافقون هم الذين استسلموا للمدّ الإسلاميّ وأسلموا بألسنتهم دون قلوبهم إمّا خوفاً أو طمعاً . فكانوا يتجاهرون بالولاء للإسلام والمودّة للمسلمين ، ولكنّهم يضمرون لهم كل سوء ويتحيّنون الفرص ؛ لتوجيه الضربات إلى الدين الجديد ، وضرب المسلمين بعضهم ببعض ، وإضعاف الدولة الإسلاميّة من الداخل بإثارة الفتن ، بين أفرادها وأبنائها ، والسعي لتمزيق صفوفهم وإشعال الحروب الداخليّة فيما بينهم بإيقاظ النخوة الجاهليّة التي طهّر الإسلام أرض الجزيرة منها . وربّما كانوا يتربّصون بالنبيّصلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم الدوائر ، حتّى أنّهم كادوا له ذات مرّة ، وأرادوا أن يجفلوا به بعيره في العقبة عند عودته من حجة الوداع ، وربّما اتّفقوا مع اليهود والمشركين لتوجيه الضربات إلى الكيان الإسلاميّ من الداخل تخلّصاً من هذا الدين الذي هدّد
--> ( 1 ) - السيرة النبويّة لابن هشام 2 : 515 - 529 . ( 2 ) - الملل والنحل 1 : 29 ( طبعة القاهرة ) ، الطبقات الكبرى 4 : 65 ، الكامل في التاريخ 2 : 215 .