الشيخ السبحاني

56

مفاهيم القرآن

الناس إلى الحقيقة ، وإلى الدين الحقيقيّ ؛ بأنّه يريد الفساد والعبث بأمن البلاد ، كما فعل فرعون لما جاءه موسى - عليه السلام - يدعوه ويدعو قومه إلى اللَّه : « وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبّهُ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِيْنَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الأرْضِ الْفَسَادَ » ( غافر : 26 ) . بل أنّ الحاكم المستبدّ لا يمتنع من أن يخادع الجماهير ويضلّلهم ، ويصوّر نفسه مرشداً وهادياً إلى الحقّ إذ يقول القرآن عنه : « قَالَ فِرْعَوْنُ مَا أُرِيكُمْ إِلّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلّا سَبِيلَ الرّشَادِ » ( غافر : 29 ) . وقديتوسّل لتثبيت سلطانه ؛ بتقسيم المجتمع إلى مستكبر بالغ درجة كبيرةفي استكباره ومستضعف محروم من أقلّ حقوقه الإنسانيّة ، فيستعين بالمستكبرين على المستضعفين كما فعل فرعون إذ يصفه اللَّه تعالى : « إِنّ فِرعَوْنَ عَلَا فِي الأرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعَاً » ( القصص : 4 ) . إنّ الاستبداد قد يبلغ بالحاكم المستبد إلى أن يدّعي ملكيّة البلاد كلّها وملكية أنهارها وعيونها ، كما ادعى فرعون إذ قال : « وَنَادَى فِرعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قَالَ يا قَوْمِ ألَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الأنْهارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلَا تُبْصِرُونَ » ( الزخرف : 51 ) . وإذ لم يكن للحاكم المستبد أيّ رادع من خلق وأي وازع من دين ؛ فإن استبداده قد ينتهي به إلى حدّ يجعل نفسه مشرّعاً ، ويعطي لنفسه حق التشريع والتقنين ، ويحمل بذلك اهواءه على الناس في قالب الدين - كما هو الرائج - وهذا هو ما ينهى القرآن عنه إذ يقول : « وَلَا تَقُولواْ لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُواْ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ » ( النحل : 116 ) . كما أنّ الاستبداد قد يدفع بصاحبه إلى مساواة نفسه العاجزة باللَّه في القدرة على بعض الأفعال التي هي من شؤون اللَّه خاصّةً كالإماتة والإحياء . . كما يحدّثنا القرآن الكريم عن نمرود وهو ملك آخر من الملوك المستبدّين ، إذ يقول عنه : « أَلَمْ تَرَ إِلَى الّذي حَاجّ إِبْراهِيمَ فِي رَبِّهِ أنْ أَتاهُ اللَّهُ المُلكَ ، إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبّيَ الّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ ، قَالَ أَنَا