الشيخ السبحاني

37

مفاهيم القرآن

على الشعب ؛ اتّجاه الحاكم إذ يقول - في وضوح كامل - : « وأعظم ما افترض اللَّه من تلك الحقوق ؛ حقُّ الوالي على الرّعيّة وحقُّ الرّعيّة على الوالي ، فريضةً فرض اللَّه سبحانه ، لكلّ على كلّ ، فجعلها نظاماً لالفتهم ، وعزاً لدينهم ، فليست تصلح الرّعيّة إلا بصلاح الولاة ، ولا يصلح الولاة إلا باستقامة الرّعيّة . فإذا أدّت الرّعيّة إلى الوالي حقّه وأدّى الوالي إليها حقّها عزّ الحقُّ بينهم ، وقامت مناهج الدّين ، واعتدلت معالم العدل وجرت على أذلالها السُّنن ، فصلح بذلك الزّمان ، وطمع في بقاء الدّولة ويئست مطامع الأعداء ، وإذا غلبت الرّعيّة واليها أو أجحف الوالي برعيّته اختلفت هنالك الكلمة ، وظهرت معالم الجور ، وكثر الإدغال في الدّين ، وتركت محاجُّ السُّنن ، فعمل بالهوى ، وعطّلت الأحكام وكثرت علل النفوس ، فلا يستوحش لعظيم حقّ عطّل ، ولا لعظيم باطل فعل ، فهنالك تذلُّ الأبرار ، وتعزُّ الأشرار ، وتعظّم تبعات اللَّه عند العباد » « 1 » . ثمّ إنّ الإمام عليّاً - عليه السلام - يصرّح في هذه الخطبة ذاتها بالحقوق المشتركة والمسؤوليات المتقابلة إذ يقول : « أمّا بعد ، فقد جعل اللَّه لي عليكم حقّاً بولاية أمركم ، ولكم عليّ من الحقّ مثل الذي لي عليكم » . ثم يشير الإمام - عليه السلام - في هذه الخطبة إلى واحدة من أنصع القوانين الإسلاميّة ؛ وهو قانون التسوية بين جميع أفراد الامّة الإسلاميّة حكّاماً ومحكومين ، رؤوساء ومرؤوسين ، وزراء ومستوزرين ، وبذلك ينسف فكرة : أنا القانون ، أو أنا فوق القانون ، فيقول - عليه السلام - : « . . . الحقُّ لا يجري لأحد إلّا جرى عليه ، ولا يجري عليه إلّا جرى له » . وعلى هذا ؛ فلا تمييز ولا تفرقة بين الحاكم والمحكوم بل الجميع أمام القوانين الإسلاميّة المدنيّة والجزائيّة وغيرها سواء ، وعلى الحاكم والرئيس أن يؤدّي حقوق الناس كأيّ فرد من أفراد الامّة العاديين ، وبذلك يدعم الإمام ما روي عن الرسول الأكرم صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم إذ يقول : « النّاس أمام الحقّ سواء » .

--> ( 1 ) - نهج البلاغة : الخطبة 211 ، طبعة عبده .