الشيخ السبحاني

32

مفاهيم القرآن

الفوارق والمشكلات الاقتصاديّة تنتفي الحاجة إلى الدولة . وقد مضت الإجابة الكاملة على هذه النظرية الخاطئة في الجزء الأوّل من كتابنا . فهناك قلنا : بأنّ الدوافع الحقيقية إلى وجود الدولة لا تنحصر في المسائل الماديّة ، والمشاكل الاقتصاديّة ، ليزول الاختلاف والتصارع بمجرّد محو الفوارق الطبقيّة ، وزوال الصراع الطبقي وتنتفي الحاجة إلى الدولة . بل هناك دوافع أخلاقيّة وغرائزيّة إلى جانب المسائل الاقتصاديّة - سبق شرحها - « 1 » ولأجلها لا مناص للمجتمع - كيفما كان - من تأسيس الدولة وإقامتها . الطائفة الثانية : هم أصحاب السوابق السوداء الذين تضمن الأوضاع الفوضويّة وغياب السلطة الحكومية مصالحهم الخاصّة ، ويخشون طائلة الحساب والعقاب والملاحقة والمؤاخذة ، ولذلك نجدهم يعارضون وجود الدولة ليتسنّى لهم المضيُّ في ما يريدون دون محاسب أو رقيب ، ودون شيء يعرّض مصالحهم للخطر ، ويسدّ عليهم طريق النهب والسلب ! ! الطائفة الثالثة : وهم الذين لم يعهدوا من الحكومات إلّا العنف والجور والاستبداد وخدمة الأقوياء ، وسحق المستضعفين وهضم حقوقهم ، وامتصاص دمائهم ، ونهب خيراتهم وهدر كرامتهم . فهم بمجرد سماع لاسم الدولة يتذكرون فوراً تلك الحكومات الجائرة وسجونها المخيفة ، وتعذيبها الوحشيّ الذي كان ينتظر أيّ معارض أو معترض . . ولذلك فهم ينفرون من سماعهم اسم الدولة ، ويخشون من قيامها أشدّ خشيةً لما يلازمها من صور الاستبداد والعنف والظلم ! ! غير أنّ هذا الفريق لو تسنّى له أن يقف على صيغة ( الحكومة الإسلاميّة ) بخصائصها المطلوبة منها ، وما تتّسم به من إنسانيّة ورحمة وعدل ؛ لما اتخذ هذا الموقف السلبيّ من الحكومة التي يدعو الإسلام إلى انشائها وايجادها . بل لاستقبلها برحابة صدر ، ولسعى إلى إيجادها وإقامتها سعياً .

--> ( 1 ) - راجع الجزء الأول من كتابنا : 572 .