الشيخ السبحاني
22
مفاهيم القرآن
بيته ومعبده ، بل هو نظام سياسيّ وماليّ وحقوقيّ واجتماعيّ واقتصاديّ واسع وشامل ، وما ورد في هذه المجالات من قوانين وأحكام تدلُّ بصميم ذاتها على أنّ مشرّعها افترض وجود حاكم يقوم بتنفيذها ورعايتها . لأنّه ليس من المعقول سنُّ مثل هذه القوانين دون وجود قوة مجرية وسلطة تنفيذيّة تتعهد إجراءها وتتولّى تطبيقها ، مع العلم بأنّ سنّ القوانين وحده لا يكفي في تنظيم المجتمعات . ولقد استدلّ السيد المرتضى على لزوم الحكومة ببيان لطيف هذا حاصله : « إنّ بقاء الخلق يتوقّف على أمور منها الأمر والنهي . قال اللَّه تعالى « يَا أَيٌّها ألّذينَ ءَامَنُواْ اسْتَجِيبُوا لِلّهِ وَلِلرّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْييِكُمْ » ( الأنفال : 24 ) ، وفسّر بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر . ولقوله سبحانه : « وَلَكُمْ فِى القَصَاصِ حَياةٌ يَا أُولِى الألْبَابِ » ( البقرة : 179 ) ، فصار الأمر بالمعروف هنا المتمثّل في الاقتصاص من القاتل مبدءاً للحياة . فإذا كان الأمر والنهي كما توحي هذه الآيات مبدءاً للحياة ؛ وجب أن يكون للناس إمام يقوم بأمرهم ونهيهم ، ويقيم فيهم الحدود ، ويجاهد فيهم العدو ، ويقسّم الغنائم ، ويفرض الفرائض - أبواب ما فيه صلاحهم - ويحذّرهم عمّا فيه مضارّهم . . ولهذا كان الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من أسباب بقاء الخلق . . فوجبا وإلّا سقطت الرغبة والرهبة ولم يرتدع أحد ، ولفسد التدبير ، وكان ذلك سبباً لهلاك العباد » « 1 » . هذا هو ما تفيده النظرة إلى الأحكام والتشريعات الإسلاميّة التي لم تنزّل إلّا للتنفيذ ، ولم تشرّع إلّا للتطبيق . أمّا النصوص الإسلاميّة المصرّحة بضرورة قيام الدولة ووجودها فهي أكثر من أن تحصى ، وقد مرّ في الجزء الأوّل قسم منها ونشير هنا إلى ما لم نشر إليه هناك : قال الإمام عليّ بن موسى الرضا - عليه السلام - في حديث طويل حول ضرورة وجود
--> ( 1 ) - المحكم والمتشابه للسيد المرتضى : 50 .