الشيخ السبحاني
100
مفاهيم القرآن
تلك محاسبات عقليّة واجتماعيّة من واقع المجتمع الإسلاميّ الأوّل ، تدلّنا على أنّ الحقّ في مسألة القيادة في المجتمع الإسلاميّ بعد وفاة الرسول الأكرم صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم هو أن يستخلف صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم ( قائداً ) للُامّة ، وراعياً لمصالحها وشؤونها ؛ لما في نفس التنصيب من مصلحة وقطع دابر الاختلاف . فمثل هذه المحاسبات ، تمنع القائد الحكيم أن يترك الامّة من بعده من دون أن يعيّن لها قيادةً تحافظ على الكيان الإسلاميّ الناشئ من الأخطار المحدقة به ، وتقود الامّة الإسلاميّة الفتية في الطريق الشائك إلى الهدف المرسوم لها ، والغاية المطلوبة . إنّ القائد الحكيم ، والرئيس المحنّك هو من يعتبر بالأوضاع الاجتماعيّة لُامّتة والظروف المحيطة بها ، ويأخذ بنظر الاعتبار ما يمكن أنّ يحدث لها جرّاء غيبته ووفاته ، ثمّ يرسم على ضوء تلك الظروف والأحوال ، والتوقّعات والمحاسبات ما يراه صالحاً للُامّة ولمستقبلها ، وأهم تلك الأمور هو تعيين القائد لها ، والمدير لشؤونها من بعده . إنّ أوضاع المسلمين آنذاك ، والظروف الحرجة المحيطة بهم ؛ كانت تقتضي أن لا يدع النبيّصلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم تلك الامّة الحديثة العهد بالإسلام وتلك الدولة الفتية الجديدة البنيان ، لآراء الامّة وإرادتها لتختار هي بنفسها قائدها ورئيسها ، وهي في خضمّ تلك الأخطار ، والظروف الحسّاسة البالغة الخطورة ، إذ ربمّا كانت تبتلي - في ذلك الأمر بالخلاف الذريع ، والفرقة الكبيرة ؛ فتسهل للخصم سبيل السيطرة عليها وتمكّنه من مؤامراته ونواياه . إنّ عدم بلوغ الامّة الإسلاميّة حدّ الاكتفاء الذاتيّ في القيادة والإدارة ، مع الأخذ بنظر الاعتبار الأخطار التي كانت تحدق بها ، والرواسب القبليّة الجاهليّة ، وعدم قدرتها على التغلّب على كلّ ذلك لوحدها ؛ كانت توجب على النبيّ صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم بحكم العقل السليم ؛ أن ينصّب للُامّة قائداً يدبّر شؤونها ويجمع شتاتها ويحافظ على وحدتها ، ويقود سفينتها إلى شاطيء الأمن والدعة والسلام .