الشيخ السبحاني

66

مفاهيم القرآن

ويبحث عنها باستمرار وقد كان يظنها في الكمالات المادية المزيجة بالنقائص والشرور وأنّها قادرة على إرواء ظمئه وغليله ، ولكنَّه كلّما خطا خطوة جديدة إلى الأمام رأى خلاف ما كان يتصوره ويتوقعه ، ووجده دون ما يهواه ويعشقه . إنّ عشق الكمال المطلق لدليل - حقاً - على وجود مثل هذا الكمال ، ولدليل أيضاً على وجود رابطة قائمة بين الإنسان والكمال ذاك . إنّ الوصول إلى ذلك الكمال وبلوغه يحتاج إلى تفكّر وتدبّر ، وإلى السير في الطريق المؤدّي إليه ، وإلى الرياضة الدؤوبة التي تشعل الجذوة الكامنة في أعماق النفس وتوجد في حناياه شغفاً أكبر وعطشاً أعمق ، وتحوله بالتالي من باحث عن اللَّه إلى واجد للَّه ، ثم يتحول وجدانه للَّه إلى الشهود ، واليقين الذي لا ينفذ إليه شك ، ولا يتسلل إليه تردد وارتياب . إنّ هذا الشهود ليس برؤية العين بل بعين البصيرة التي نوّه عنها في كلام الإمام علي عليه السلام إذ قال : « لم تدركه العيون بمشاهدة العيان ، بل تدركه القلوب بحقائق الإيمان » « 1 » . إنّ اليقين الحاصل للسالك والعارف في مسألة « وجدان اللَّه » لهو أعلى من اليقين الحاصل من استخدام الجوارح والحواس ، انّه نور لا ظلمة فيه ، ويقين لا شك فيه ، ولا تردد ولا احتمال ولا ظن . والآن ما هو طريق الوصول إلى مثل هذا الكمال واليقين المطلق والشهود الأعلى ؟ إنّ القرآن الكريم يشير بنحو ما إلى هذا الطريق في آية ، إذ يقول :

--> ( 1 ) . نهج البلاغة : شرح محمد عبده ، خطبة 174 .