الشيخ السبحاني
49
مفاهيم القرآن
وفي هذه الصورة لا منافاة بين فطرية الاعتقاد بأصل وجود اللَّه والاعتقاد بوحدانيته فطرياً ، لأنّ كل ذلك يندرج تحت إطار « التعاليم الدينية » على السواء . 2 . وحتى لو أغمضنا النظر عن هذا الجواب وقصرنا النظر على آيات راكبيالفلك ، فإنّ الاعتراض لن يصح في موردها أيضاً . وذلك لأنّ المشركين رغم اعتقادهم باللَّه ، فإنَّهم ما كانوا يعبدون - في الأوقات الاعتيادية - إلّا أوثانهم خاصة ، فلم يكن لديهم في تلك الأحيان أيتوجه إلى اللَّه أبداً ، بينما كان هذا الأمر ينعكس تماماً عند مواجهة الأخطار والشدائد فكانوا يتوجهون إلى اللَّه وحده ، يعبدونه وحده ، ويتضرعون إليه وحده ، وأمّا الأصنام فكانت تسلم إلى يد الإهمال والنسيان . من هذا الأمر يمكن استنباط الحقيقة التالية ، وهي أنّه كما أنّ وحدانية اللَّه أمر فطري كذلك الاعتقاد بأصل وجوده فطري أيضاً . لأنّ المشرك - كما لاحظنا - لم يتوجه في الشدائد إلّا إلى اللَّه الذي كان ينسى وجوده وصفته في الحالات الاعتيادية نسياناً مطلقاً وكأنّ اللَّه لم يكن . ولا ريب أنّ هذه الالتفاتة بعد تلك الغفلة الشاملة للذات أيضاً ، علامة أنّ الذات والصفة ، ونعني ذات اللَّه ووحدانيته كلاهما أمران فطريان . وبعبارة أُخرى : إذا كان الاعتقاد بصفة من صفات اللَّه فطرياً فمن الأحرى أن يكون « أصل الاعتقاد بوجوده » كذلك أمراً فطرياً لدى الإنسان ، ولذلك فإنّ الآيات المذكورة حتى إذا كانت تعني فطرية التوحيد - حسبما ادّعوا - فإنّها تعني بالضرورة والأولوية فطرية الإيمان بوجود اللَّه .