سليمان بن عبد القوي الطوفي الصرصي الحنبلي
92
الإكسير في علم التفسير
ولا لقوله « مستفعلن فاعلن مستفعلن فعلن » رونق قوله : وربّ ميت تمنى أنه حجر * في البيت حين أكبّت تلثم الحجرا ويحتاج ذلك إلى قابلية وطبع مجيب ، وإلا فقد أخبر المبرد « 1 » عن نفسه ، مع تقدمه في صناعة الآداب ، أنه طالما عجز عن إنشاء عبارة يرتضيها في مهم : من اعتذار عن فلتة ، أو شكر عن نعمة ، ولذلك قيل : زيادة المنطق على الأدب ، خير من زيادة الأدب على المنطق . ولقد رأيت ببغداد رجلا نفّاطا يركب الخطب والشعر من معان بديعة لائقة ، في ألفاظ عذبة رائقة ، على وجه يعجز عنه الأدباء والمدرسون ، وكان لحّانة ، مع أن جميع لحنه يقبل الإعراب الصحيح ، مع بقاء الوزن . وينبغي له أن يخاطب كل قوم بما يقرب من أفهامهم ، فإن ذلك من مقاصد البيان المهمة ، ككتاب النبي صلّى اللّه عليه وسلّم إلى كسرى ، فإنه في غاية الوضوح - يفهمه من له أدنى تشبث بالعربية - لكونهم أعاجم ، وكانت كتبه صلّى اللّه عليه وسلّم إلى العرب في غاية الفصاحة والغرابة ، لأنهم كانوا يفهمون ذلك . وإذا فرغ من إنشاء كلامه ، اشتغل بتنقيح ألفاظه ، وترصيف معانيه وترصينها من تقديم مؤخر ، وتأخير مقدّم ، وتبديل ثقيل بأخف ، وأخف بأثقل ؛ ليحصل التلاؤم والتعادل ، وليجعل كأن معه معترضا عليه في كلامه ، مناقشا له فيه ، فتورد له الأسئلة على نفسه ، ثم يجيب عنها ويقرر ما أنشأه على ما استقر عليه جوابه ، كما قال الخليل « 2 » رحمه اللّه « ما وضعت شيئا حتى عرفت آخر ما يلزمني فيه » . بيان الطريق إلى معرفة التأليف : وأما بيان الطريق إلى معرفة التأليف فقال ابن الأثير « 3 » : أجود الطرق وأحراها
--> ( 1 ) هو أبو العباس محمد بن يزيد الأزدي الثمالي البصري توفي سنة 286 ه وهو عالم في اللغة والأدب وله كتاب الكامل ، والبلاغة ، معجم الأدباء 19 / 111 . ( 2 ) هو صاحب العروض من الأزد من فخذ يقال لهم الفراهيد ، المعارف 236 ( 3 ) الجامع الكبير 26 .