سليمان بن عبد القوي الطوفي الصرصي الحنبلي

72

الإكسير في علم التفسير

حصول الولد للشيخ الكبير الذي بلغ من الكبر عتيا من امرأة عاقر ، والبكر البتول من غير أن يمسها بشر ، كلاهما على خلاف العادة وهو عجب ، لكن قصة مريم أعجب وأخص من وجوه : أحدها : أن كل مولود من غير أب عجب ، وليس كل عجب مولودا من غير أب . الثاني : أن الولادة بغير أب معجزة ، وليس ولادة الشيخ والعجوز العقيم معجزا ؛ لأن ذلك قد وجد في حق إبراهيم وسارة ، ولم يعد معجزا ، أقصى ما في الباب أنه كرامة ، لكن درجة الكرامة دون درجة المعجز بالضرورة ولئن سلم أن ولادة العقيم معجز ، لكن في بعض الصور ، لا في كلها ، بخلاف الولادة بغير أب ، فإنه معجز في كل صورة . الثالث : أن كل معجز عجب خارق للعادة ، وليس كل عجب خارق للعادة معجزا ، وإذا تقرر بما ذكرته أن قصة مريم أخص ، كان ذلك مقتضى مناسبا ؛ لاختصاصها بالخلق الذي هو من الفعل أخص ، وما أظن عاقلا يفهم هذا البحث ، ويتصوره يشك في حسنه ، وفي شرف هذا العلم الذي استمد منه ، واللّه أعلم . واعلم أن لما ذكرنا من إضافة التخصيص إلى المقتضى المناسب نظائر تؤكده وتشهد لصحته : أحدها : قول الفقهاء : الأصل في الأحكام التعليل ، فمتى وجدنا للحكم علة مناسبة ، أضفناه إليها ، أو قسنا عليه ما وجدت فيه ، وبهذا استدلوا على صحة العلة القاصرة ، أعني : بأن الأصل التعليل ، فحكم القاصرة معلل بها بمقتضى الأصل ، وبأن فائدتها فهم الحكم بعلته ، وهو أدهى إلى الامتثال . الثاني : قول الأصوليين ذكر الحكم عقب الوصف المناسب يفيد عليّته ، نحو