سليمان بن عبد القوي الطوفي الصرصي الحنبلي
64
الإكسير في علم التفسير
أو اسم مصدر من ذلك ، أو مصدر محذوف الزوائد من أبان الشيء يبينه إذا أظهره ، إبانة ، وأصله إبيانا ، وبيان اسم له ، كالنبات للإنبات في قوله تعالى : أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَباتاً « 1 » وهذا أولى ؛ لأن البيان يوصف به المتكلم ، يقال : رجل ذو بيان ، أي ذو إبانة لمعاني كلامه ، أي : إظهار لها ، ولا يصح هاهنا أن يقال : رجل ذو ظهور إلا بتأويل بعيد ، أي ذو كلام له ظهور ، أو ذو ظهور لكلامه « 2 » . إذا ثبت هذا ، فمعنى قولنا علم المعاني والبيان : العلم المراد بالألفاظ ، وإظهار المراد بها ، ثم يتفاوت ذلك الإظهار بحسب تفاوت القوى النفسية ، والقرائح الذهنية ، فيظهر بذلك التفاوت في مقادير البلغاء ، ومراتب الخطباء والنصحاء ، فأعلى مراتب البيان : إظهار المراد بالكلام غاية الإظهار . فإن قلت : ما ذكرته في الكشف عن حقيقة هذا العلم ، يقتضي أن الكلام كلما كان في البيان أدخل ، كان في الظهور والجلاء أبلغ ، وإلى الأفهام أسبق ، والأمر على العكس من ذلك ، فإن النكت التي ذكرها أهل هذا العلم من القرآن وكلام العرب مما سيأتي أمثلته في غاية الدقة من الأذهان ، ولا يحققها إلا الأذكياء الأعيان ، فقد بان بذلك أن هذا العلم على عكس ما قررتموه في تحقيقه . قلت : ليس الأمر كما ذكرت ، وإنما زلّت قدمك في هذه الشبهة من جهة : أن الظهور على ضربين : ظهور بديهي . كظهور البديهيات لنا نحو : إن النقيضين لا يجتمعان ولا يرتفعان ، وأن الشيء الواحد لا يكون موجودا معدوما ، ولا قديما حادثا معا . وظهور نظري ، أي : مترتب على النظر ، كظهور النظريات لنا ، نحو : حدوث العالم ، ووجود صانعه ، وقدمه ، وحوار بعثه الرسل ، ونحوها ، فإن هذه قضايا لا تظهر لنا صحتها بديهة ، بل إذا نظرنا في براهينها ، ترتب ظهور العلم بها على ذلك النظر ترتبا
--> ( 1 ) سورة نوح آية 17 . ( 2 ) في الأصل : أو رد ظهور كلامه وهو تحريف .