سليمان بن عبد القوي الطوفي الصرصي الحنبلي

44

الإكسير في علم التفسير

الحديث من أهله ، وفيه المتعارض والموهم « 1 » للتناقض ، فانتدبت له نقادهم وهم الأصوليون ، فوضعوا له قانون الأصول ، فاعتبروه منه ، فأزالوا تعارضه ، ونفوا تناقضه ، بحمل مطلقه على مقيّده ، وعامّه على خاصّه ، وإعمال ناسخه ، وإهمال منسوخه ، فاستخرجوا بذلك لأنفسهم أقوالا في الفقه متعارضة ، وآراء مختلفة متناقضة ، فتسلمها أهل كل مذهب عن إمامهم ، فاجتهدوا فيها باعتبارها قوانين ذلك الإمام ، وقواعد مذهبه ؛ تارة بتقرير النصين ، وحملها على اختلاف حالين ، وتارة بطرد القولين بالنقل والتخريج في المسألتين ، حتى جعلوا له مذهبا واحدا ، الفتيا عليه لا تكاد تختلف ، ولم يقل أحد : إن نقل المحدثين ، والأئمة ، والفقهاء لجميع ما صار إليهم ، دليل على عدم اعتبار القوانين المميزة لما يجب إهماله ، كذلك هاهنا ولا فرق . ثم إنّا ما رأينا ، ولا سمعنا ، ولا عقلنا أن أحدا يفتح طريقا إلى مقصد نجيب يوصل إليه قطعا ، وهو سهل سمح خال من حجر ، وخطر ، وعارض سوء ، يقال له : إن أحدا ممن تقدمك لم يفتح هذا الطريق ، وذلك دليل على أنه غير موصل إلى المقصود به ؛ إذ هذا استدلال بالجهل ، أو العدم على العلم الموجود ، ومن الجائز غفل عنه المتقدم عما تنبه عليه المتأخر ، وإلا لوجب أن لا يزداد علم الشريعة عما كان عليه في أول طبقاته ، وقد زاد زيادة كثيرة ، وما ذاك إلا لاستدراك المتأخرين على من سبقهم ، وزيادتهم على ما قرروه ، وتنبيههم على ما أغفلوه ، واللّه أعلم بالصواب .

--> ( 1 ) في الأصل : والوهم للتناقض . وهو تحريف من النساخ .