سليمان بن عبد القوي الطوفي الصرصي الحنبلي
314
الإكسير في علم التفسير
فما أغنى عن الفرزدق تغطية عنقفته شيئا . ومن الإرصاد قوله تعالى : فَما كانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ « 1 » فالسامع لهذا يدري أن آخر الآية « يظلمون » . وقوله تعالى : كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتاً . وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ « 2 » فالسامع لهذا يعلم أن بعده : بيت العنكبوت . ونظائر هذا كثيرة وهذا مما يدل على براعة الناظم والناثر ؛ لأن أول الكلام لا يدل على آخره ، إلا لشدة ارتباطه به ، وذلك أعلى مطالب هذا العلم كما سبق . وفي الافتخار بذلك قال ابن نباتة الشاعر « 3 » : خذها إذا أنشدت في القوم من طرب * صدورها عرفت منها قوافيها ينسى لها الراكب العجلان حاجته * ويصبح الحاسد الغضبان يطريها وأبو هلال « 4 » سمّى هذا النوع « التوشيح » ، وتسميته بالإرصاد أولى ؛ لأن السامع يرصد القافية في نفسه ، أي : يعدها بالحدس حتى يحققها بالحسّ . والتوشيح يأتي ذكره ، وقريب من هذا تسمية الغانمي « 5 » ؛ ذكر الشاعر زيادة لأجل القافية يتم المعنى بدونها « تبليغا » ، ومثله بقول امرئ القيس « 6 » : كأن عيون الوحش حول خبائنا * وأرحلنا الجزع الذي لم يثقّب
--> ( 1 ) سورة التوبة آية 70 وتمامها « ولكن كانوا أنفسهم يظلمون » . ( 2 ) سورة العنكبوت آية 41 . ( 3 ) يتيمة الدهر 2 / 379 ط الصاوي . ( 4 ) الصناعتين ص 382 . ( 5 ) هو أبو العلاء بن غانم المعروف بالغانمي ، اللباب 3 - 166 ( 6 ) من قصيدة مطلعها : خليلي مرّا بي على أم جندب * نقضّ لبانات الفؤاد المعذب ديوانه ص 53 .