سليمان بن عبد القوي الطوفي الصرصي الحنبلي
288
الإكسير في علم التفسير
المتعلم أوثق بكلام العالم المتقن ، منه بكلام من لا يعلم إتقانه ، وإحاطته بالعلم ، ثمّ شرع في ذكر الدين ، إلى أن قال : وَلا تَكْتُمُوا الشَّهادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْها فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ « 1 » لما كان كتمان الشهادة أمرا خفيا لاختصاصه بالقلب ، وهذا خص بإسناده الإثم إليه ، فربما طمع طامع في كتمان الشهادة لخفائها ، قال اللّه تعالى : وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ثم عقبه بمثله ، وهو قوله : وَإِنْ تُبْدُوا ما فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ « 2 » إشارة إلى أنه تعالى يعلم خفي الأمور وظاهرها ، فيعاقب على السّيّئ منها ، ويثيب على الحسن ، فاتقوا اللّه ، ولا تطمعوا في كان الشهادة لخفائها ، فإنه لا يخفى عليّ شيء . ثم لما قال في آخر الآية الأخرى : فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ « 2 » ختمها بقوله : وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ أي لا يعجزه من أراد تعذيبه ؛ لكمال قدرته ، فتحققوا من ذلك وارتدعوا . وكذا قوله تعالى : أَ لَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً « 3 » لما تضمن هذا الكلام لطف القدرة في إحياء الأرض بإنزال الماء ، واستدعاء تلك الخضرة « 4 » بأن فيها نفعا للناس ولطفا بهم ، ختمها بما يناسب ما تضمنته ، فقال : إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ ثم قال : لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ « 5 » ، فتضمن هذا الكلام اختصاصه بذلك ، ثم قال : وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْغَنِيُّ لمناسبته مضمون الكلام ، ثم لما كان لا يلزم أن يكون كل غني حميدا ؛ لجواز بخله ، بيّن تعالى أنه متصف بالجود الموجب للحمد ، فقال : الْحَمِيدِ . ثم قال : أَ لَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ وَالْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ ،
--> ( 1 ) سورة البقرة آية 283 . ( 2 ) سورة البقرة آية 284 . ( 3 ) سورة الحج آية 63 . ( 4 ) في الأصل الخبرة بدلا من الخضرة وهو تحريف من النساخ . ( 5 ) سورة الحج آية 64 .