سليمان بن عبد القوي الطوفي الصرصي الحنبلي
275
الإكسير في علم التفسير
الفلانية ؟ ويعدّد نعمه عليه ، ثم يقول : فبأي آلاء تكذب ؟ ومعنى هذا الكلام وقوته أنك لا تستطيع تكذيب شيء من ذلك ؛ لوضوحه وظهوره ، كما يركّب أحد المتناظرين دليلا من مقدمتين قطعيتين ، ثم يقول لخصمه : أي المقدمتين تمنع ؟ أي : لا يمكنك منع واحدة منهما . ثم اعلم أن صدر هذه السورة اشتمل على ذكر النعم الدنيوية ؛ كخلق الإنسان ، وتعلّمه البيان ، وخلق الشمس والقمر بحسبان ، والنجم : وهو ما لا ساق له من النبات ، والشجر : وهو ما له ساق ، والنعمة فيهما ظاهرة ، ورفع السماء ووضع الميزان ؛ للتناصف ، وأمن المظالم ، ووضع الأرض فيها الفاكهة ، والنخل ، والحب ذو العصف : يعني الورق والتين ؛ تنبيها على أنّ فيه منفعة لكم ولدوابكم ، والريحان : وهو المعروف ، أو كل نبت طيب الريح ، وخلق الإنسان والجان ، ووجه النعمة فيه عليهما استمتاع بعضهم ببعض ، كما ذكر في الأنعام . وخلق المشرقين والمغربين ؛ مجالا للشمس والقمر والنجوم ، ليتقوّم بهن نظام العالم ، ومرج البحرين : العذب والملح ؛ لينتفع من كل منهما بما جعل له من استخراج الجواهر ، وشرب الماء ، وأكل الحيتان ، ونحو ذلك . وإجراء المراكب في البحور ؛ لقيام معايش الخلق ، مع ما تضمن بذكرهم بهذه النعم ، من التنبيه على عظيم قدرته التي يستحق بها منهم العبادة والتوحيد ، فخلق الإنسان والجان العظيمين من عنصرين مشاهدين هما : الطين والنار ، على وجه لا يتأتى لغيره تعالى ، ونحو ذلك . ومن هاهنا إلى آخر السورة اشتمل على ذكر أحكام الآخرة من : الموت والبعث ، والنار والجنة ، كأنه قال : قد ذكرتكم بآلائي عليكم ، ونعمائي التي أسديتها إليكم ، ثم إني بعد ذلك متوفيكم وباعثكم ، فمن كان قابل آلائي بالكفر ، أدخلته النار ، وهذا حاصل المراد بقوله : كُلُّ مَنْ عَلَيْها فانٍ « 1 » إلى قوله : يَطُوفُونَ بَيْنَها وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ . فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ « 2 » .
--> ( 1 ) سورة الرحمن الآية 26 . ( 2 ) سورة الرحمن الآية 44 ، 45 .