سليمان بن عبد القوي الطوفي الصرصي الحنبلي

209

الإكسير في علم التفسير

غالب ما ينسب إليه الشيب : المفرق ، ولأن دلالة الرأس على جميع أجزائه دلالة عموم ، وهي ظنية ، فأحب أن ينص على ذكر الجزء المهم ، وهو المفرق . وفي الثاني : يمكن منع أنه لا فضل للرقطة على غيرها من الألوان ، بأن الحوّائيين : وهم أهل الصناعة نصوا على أن تفاوت ألوان الحيات وأخلاقها ، يدل على تفاوتها في الخبث والشر ، واختلافها ، ولهذا يضرب المثل بالحيات « الغبر » التي على لون الأرض ، ويشهد لذلك ما ذكره الأطباء : من أن اسوداد الشعر يحدث عن احتراق شديد من حرارة قوته ، والأحمر عن حرارة أقل ، والأصفر من حرارة دون ما قبلها ، والشيب من ضعف الحرارة الغريزية ، وإذا كان اختلاف هذه الكيفيات الباطنة يؤثر في اختلاف الأعراض الظاهرة : من سواد وبياض ونحوهما ، فليكن اختلاف الأعراض الظاهرة دليلا على اختلاف الكيفيات الباطنة ، بطريق دلالة الأثر على المؤثر ، وحينئذ لا ينقد مثل ذلك في الحيات ، وأن ابن هانئ علم أن للرقطة دلالة على زيادة الخبث ، ويؤكد ذلك أمور : منها أنهم منعوا صرف أفعى ، وليس صفة ، لكن توهموا فيه معنى الخبث استدلالا على خبثه بصفاته ، إما لونه أو سرعة حركته . ومنها : أنهم أكثروا من ذكر الأسود في أمثالهم وغيرها ، ففي الحديث : « أعوذ بك من شر أسد وأسود ، وجن وعفريت » « 1 » وفي الشّعر : تساقوا على حرد دماء الأساود « 2 » وفيه : فكنت كالمولج في جحر يدا * فأخطأ الأفعى ولاقى الأسودا وهو دليل على أنهم استدلوا بسواده على غلبة شره ، كدلالة سواد الآدمي أو شعره على حرارة باطنه ، واللّه أعلم .

--> ( 1 ) رواه عبد اللّه بن عمر بلفظ مختلف ، سنن أبي داود 3 - 49 ط السعادة . ( 2 ) والشطر الأول من البيت . أسود شرى لاقت أسود خفية . انظر ص 153 من هذا الكتاب