سليمان بن عبد القوي الطوفي الصرصي الحنبلي

197

الإكسير في علم التفسير

اقتضى حصر العزة في الكاثر بالرجال والأهل ، أي : لا عزة لمن لا رهط له ، أو لمن قل رهطه ، وعلى هذا فقس ، فإنه مطرد . فإن قلت : لم يطّرد في نحو : « إنما المؤمنون الذين إذا ذكر اللّه وجلت قلوبهم » « 1 » الآية ، ونحو : « إنما الأعمال بالنيّات » و « إنما الربا في النسيئة » لثبوته في التفاضل . قلت : أما الآية ، فالمراد بها : إنّما المؤمنون الكاملون بالإيمان ، فيستقيم الحصر إذن . وأما الثانية : فليس عدم الاطراد فيها راجعا إلى اقتضاء « إنما » الحصر ، لا عدمه ، بل إلى تخصيص عموم الواقع بعدها بتخصيص ما . واعلم أن خبر الجملة الاسمية الواقعة بعد « إنما » إذا كان جارا ومجرورا متعلقا بالخبر الحقيقي محذوفا ، فيختلف في الحكم ؛ للاختلاف في تقديره ، كهذه الصورة ، إذ بعضهم يجعل تقدير « إنما الأعمال » صحيحة بالنيات ، وبعضهم كاملة بالنيات ، فيكون الخلاف على القول بالحصر في جهته لا في حقيقته ، فتنبه لهذا . ومنها التقديم والتأخير في الاستفهام . وحكمه ما سبق في النفي : وهو أن الواقع بعد حرف الاستفهام إن كان الفعل فهو المستفهم عنه ، المشكوك في وجوده نحو : « أركب الأمير ؟ » فالمركوب هو المشكوك فيه ، وإن كان الاسم ، فالسؤال عنه ، والشك في تعيين الفاعل ، وكذا الكلام في المستقبل ، واسم الفاعل نحو : « أتفعل هذا ؟ » و « أأنت تفعل هذا ؟ » و « أضارب أنت زيدا ؟ » و « أأنت ضارب زيدا ؟ » . ثم إن للاستفهام معاني : أحدهما : الاستعلام ، وهو الأصل كما سبق . الثاني : التأسيس ، نحو : وَما تِلْكَ بِيَمِينِكَ يا مُوسى ؟ « 2 » لأنه تعالى لم يكن مستفهما ، ولا منكرا عليه ، ولكنه رآه خائفا ، فآنسه وحقق عنده أنّ ما في يده عصا ؛ ليتحقق حصول المعجز عند قلبها حية ، وبهذا المعنى قد سمي استفهام التقرير .

--> ( 1 ) سورة الأنفال آية 2 ( 2 ) سورة طه آية 17 .