سليمان بن عبد القوي الطوفي الصرصي الحنبلي
181
الإكسير في علم التفسير
مبالغة في تحقيق إثارة الرياح السحاب للسامعين ، وتقرير تصوره في أذهانهم . فإن قلت : أهم الأفعال المذكورة إحياء الأرض ، وقد ذكره بلفظ الماضي ، وما قررتموه يقتضي أولوية ذكره بلفظ المضارع ، إذ هو أهمّ ، وإثارة السحاب سبب بعيد على مرتبتين . قلت : لا نسلم أهمية إحياء الأرض ، بل إثارة السحاب أهم ؛ وذلك لأن اللّه تعالى ذكر هذا الكلام في معرض آيات قدرته ؛ ليدل على اقتداره على البعث والنشور بالقياس على إحياء الأرض بعد موتها ، بالمقدمات المذكورة ، وأهمها وأدلها على القدرة أعجبها ، وأبعدها عن القدرة والتصور البشريين ، وإثارة السحاب أعجبها ، فكانت أولى بالتحقيق بالتخصيص بالفعل المضارع . وإنما قلنا إن إثارة السحاب أعجب ؛ لأن سببها أخفى من حيث إنا نعلم بالفعل أن نزول الماء سبب اخضرار الأرض ، وإثارة السحاب وسوقه سبب نزول الماء ، أما إثارة السحاب ، فلو خلينا وظاهر العقل ، لم نعلم أن الرياح سببها ؛ لعدم إحساسنا مادة السحاب وجهته ، ولطافة الريح عن إدراك الحس ، وإنما نبهنا على سبب ذلك بهذا النص وأشباهه ، لأن ما قرره الفلاسفة والطبيعيون في ذلك ، فإنه إنما أفاد وهما أو ظنا ، لا علما ، واللّه أعلم . ومنه قول تأبط شرا « 1 » : بأنّي قد لقيت الغول تهوى * بسهب كالصحيفة صحصحان « 2 » فأضربها بلا دهش فخرّت * صريعا لليدين وللجران « 3 » لم يقل : فضربها ، بل قال : فأضربها ؛ تقريرا في أذهان قومه الذين أخبرهم حاله
--> ( 1 ) اسمه ثابت ولقب « تأبط شرا » لأنه تأبط ذات يوم سكينا وخرج فسئلت عنه أمه فقالت : لا أدري ، إنه تأبط شرا وخرج ، والبيتان من جملة أبيات أولها : ألا من مبلغ فتيان فهم * بما لاقيت عند رحى بطان ؟ الأغاني 18 / 210 . ( 2 ) ذكرت في الأصل : بشهب ، وهو تصحيف ، والسهب : الأرض المستوية . والصحصحان : الأرض المستوية الواسعة . ( 3 ) الجران : مقدم عنق البعير من مذبحه إلى منحره