سليمان بن عبد القوي الطوفي الصرصي الحنبلي

177

الإكسير في علم التفسير

وأما فائدة « إياك نعبد » مع ما قبله من خطاب الغيبة ، فمن وجهين : أحدهما : أنهم لما وصفوا اللّه تعالى بخصائص الربوبية ، وصفات الأهلية بأسلوب الغيبة ؛ ليكون أدل على صدقهم وإخلاصهم في ذلك ، مما إذا خاطبوه به ؛ إذ المخاطب بالمدح قد يراقب فيداجي ، ويخالف لسانه قلبه ، بخلاف المادح في الغيبة حيث عدلوا حال الإخبار والسؤال إلى الخطاب ؛ لأنه أدل على الخضوع ، والضراعة ، وشدة الرغبة ، ومسيس الحاجة ، كما تقول لملك أنعم عليك « أنا شاكر للملك المعظم الجواد ، مالك الرعايا والملوك ، بك أيها الملك المتصف بهذه الصفات ، أستعين على أموري ، وإليك ألجأ من جميع محاذيري » . الثاني : أن أسلوب الخطاب أخص من أسلوب الغيبة ، والعبادة أخص من الحمد والثناء ، إذ الإنسان يحمد نظيره ولا يعبده ، فاستعمل الأسلوب الأخص في ذكر الفعل الأخص . ومنها قوله تعالى : يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً « 1 » إلى قوله : فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِماتِهِ ولم يقل : « فامنوا باللّه ربي » لفائدتين : إحداهما : دفع التهمة عن نفسه بالعصبة لها . الثانية : تنبيههم على استحقاقه الاتباع لما اتصف به من الصفات المذكورة من النبوة والأمية التي هي أكبر دليل على صدقه . وأنه لا يستحق الاتباع لذاته ، بل لهذه الخصائص التي بمن قامت وجب اتباعه ، نحو ما أشرنا إليه في قول القائل « مثلي لا يفعل كذا وكذا » في الفرع الثاني من فروع الإرداف من باب الكناية . ومنها قوله تعالى : هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ الآية « 2 » وفائدة ذلك العدول عن خطابهم إلى حكاية حالهم لغيرهم ،

--> ( 1 ) سورة الأعراف آية 158 . ( 2 ) سورة يونس آية 22 .