سليمان بن عبد القوي الطوفي الصرصي الحنبلي
161
الإكسير في علم التفسير
أي : لا أقبل منك ، وكقولهم : « مثلك إذا سئل أعطى » وهو كثير ، وهو أسند للكلام ، وأرفع لقدر صاحبه . قال ابن الأثير « 1 » : لكونه يجعل نفسه من جماعة هذه أوصافهم ، إشارة إلى تمكّنه فيما وصف به نفسه ، إذا تفرد به لم ترس فيه قدمه ، كما يقال لمن يمدح : « أنت من القوم الكرام » أي لك فيه سابقة ولست دخيلا فيه . وعندي فيه نظر ؛ لأن تفرد الإنسان بصفات المدح أسند لحاله ، وأرفع من شأنه ، كما يقال : « فلان جالس من الكرم على رأس سنان » . وليس هذا من قبيل قولهم : « أنت من القوم الكرام » . وقولهم للعربي : « العرب لا تخفر الذمم » « 2 » . وإنما وجهه عندي أن قول القائل : « مثلي لا يفعل كذا » إشارة إلى أن نفي ذلك عني ليس لذاتي ، ولا لكوني إنسانا ، بل لصفات جميلة كريمة مكملة قامت بي ، فهي تقتضي نفي ذلك أو إثباته إن كان مثبتا لشيء لنفسه ، وأن كل من قامت به هذه الصفات فهو مثلي في ذلك ، وهو يكنى بنفي شيء عنه ، أو إثباته له ، عن إثبات صفات الكمال والجمال والكرم لنفسه ، ولهذا نرى العقلاء يستحيون من هذا الكلام ؛ لكونه كناية عن تزكية أنفسهم بإثبات صفات الكمال لها ، ولو كان كما قاله ابن الأثير ، لما استحيوا من ذلك ، إذ ليس فيه إلا إلحاق أنفسهم بمن يساويهم ، وذلك لا يستحيا منه ، إن المبادرة إلى الفهم الصحيح من هذا الكلام ما ذكرته ، فأما قوله تعالى : لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ « 3 » فقيل : الكاف زائدة ، وإلا لزم إثبات مثله ، ونفي مثل ذلك المثل ، وهو محال ، وقيل : هي على أصلها في التشبيه ، و « مثل » بمعنى : ذات ، أي : كذاته شيء على عادة العرب فيه . وقيل : المثلية هنا راجعة إلى الصورة الذهنية ؛ إذ لكل معلوم صورة وقع ومنزلة في الأذهان ، فتقدير الكلام ، ليس كصورة منزلة اللّه تعالى في النفوس والأذهان شيء . ذكر هذا الوجه لنا شيخنا المرّي وقال : هو تقرير صوفي .
--> ( 1 ) الجامع الكبير ص 161 . ( 2 ) أي : لا تنقض العهد ، وفي اللسان : أخفرت الرجل : إذا نقضت عهده وذمامه ( 3 ) سورة الشورى آية 11