سليمان بن عبد القوي الطوفي الصرصي الحنبلي

129

الإكسير في علم التفسير

وللامتزاج والتمكن مراتب : عليا ، دنيا ، ووسطى ، وعلى حسب تفاوتها ، تتفاوت مقادير الكلام ، وأهله . واعلم أنه لا فضيلة للفظ المفرد على مرادفه ، وما يؤدي معناه ، لذاته ، بل لاختصاصه عليه ببعض الصفات السبع المتقدمة ، وإنما يكتسي الكلام منظرا أنيقا ، ورونقا بهيجا بالتأليف والتركيب . وهذه قاعدة لا تخص الكلام ، بل تطرد في سائر المركبات ؛ فإن كل تركيب فإنما يزداد لزيادة فائدة لم تكن حال الإفراد ، كتركيب الأدوية من مفرداتها ، والأبنية من آلاتها ، والإنسان من أعضائه وأجزائه لفوائدها المتعلقة بالتركيب . وجمال الأشياء وحسنها تابع لفوائدها ؛ إذ ما لا فائدة فيه قبيح رديء ، وما فيه فائدة حسن جميل . فإذن جمال المركبات وحسنها تابع لتأليفها ، ثم يشهد لذلك في الكلام وجهان : أحدهما : أن الألفاظ المفردة قد تكون بحيث لا تعبأ النفوس بها ، فإذا ركبت مالت واشرأبّت إليها ، وما ذاك إلا لأجل التركيب . الثاني : أن القرآن الكريم في أعلى رتب البيان ، ولقد أعجز أهل اللسان ، ولا فضل له على كلامهم ، إلا من حيث التأليف ؛ لأن مفرداته متداولة بينهم جميعا قبل نزوله ، وإلا لم يكن عربيا ، وإن شئت فاعتبر قوله تعالى : وَقِيلَ يا أَرْضُ ابْلَعِي ماءَكِ وَيا سَماءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْماءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْداً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ « 1 » . وقوله تعالى : وَإِذا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ ، يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ ، هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ « 2 » . فكل واحدة من هاتين الآيتين تضمنت ست جمل ، فانظر إلى شدة امتزاجه ، وارتباطه ، وأخذ بعضه بأعناق بعض ، وتمكن ألفاظه ، بحيث لو نقلت أي لفظة أو جملة منه عن مكانها ، لاختلّ نظمه ،

--> ( 1 ) سورة هود آية 44 . ( 2 ) سورة المنافقون آية 4 .