سليمان بن عبد القوي الطوفي الصرصي الحنبلي

12

الإكسير في علم التفسير

وبعض القرآن غير واضح في لفظه ومعناه جميعا ، وهو الذي يحتاج إلى تفسير : فقوله تعالى : وَاللَّيْلِ إِذا عَسْعَسَ ( التكوير 17 ) ، يفيد الإقبال والإدبار . وقوله تعالى : وَالْمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ ( البقرة 228 ) ، يفيد معنى الطهر والحيض . وقوله تعالى : لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ ( الواقعة 79 ) ، يحتمل النهي والخبر . ومن النصوص القرآنية ما يشمل بعض الألفاظ التي تتسم بالغرابة كقوله تعالى : وَضاقَ بِهِمْ ذَرْعاً ( هود 77 ) . وقوله تعالى : فَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذَنُوباً مِثْلَ ذَنُوبِ أَصْحابِهِمْ فَلا يَسْتَعْجِلُونِ ( الذاريات 59 ) ، فالذنوب هو الدلو الممتلئ ، ومعناه هنا الحظ والنصيب . فكانت هذه الألفاظ والمعاني في حاجة إلى تفسير . وهنا قد يسأل سائل : ما فائدة اشتمال القرآن على معان وألفاظ تحتاج إلى تفسير ، وقد نزل القرآن ليعمل الخلق بمضمونه ، وقد كان إنزاله خاليا من الإشكال والإجمال أحرى أن تبادر الأفهام إلى معناه ، فتبادر القلوب والأبدان إلى امتثال مقتضاه ؟ . يجيب الطوفي عن هذا السؤال بقوله ، إن ورود هذين القسمين : الظاهر والخفي في القرآن له عدة فوائد : الأولى : إن القرآن نزل بلسان العرب ولغتهم ، وهي مشتملة على الواضح وغير الواضح ، وكلاهما بليغ في موضعه ، فلو خلا القرآن من أحدهما ، لكان مقصّرا عن رتبة اللغة ، فلا يصلح إذن للإعجاز . الثانية : إن اللّه تعالى أنزل الواضح ليتعبد المكلفون بالعمل به على الفور من غير احتياج إلى نظر ، وأنزل غير الواضح ليتعبّد العلماء في استخراج معناه ؛ لأن العمل بالمفهوم منه ، والإيمان بغير المفهوم منه تعبدان صحيحان ، يحصل بهما تمييز الطاعة من العصيان ، والكفر من الإيمان . الثالثة : إن اللّه تعالى أنزل غير الواضح ؛ ليكون شركا من أشراك الضلال ، فيقع