سليمان بن عبد القوي الطوفي الصرصي الحنبلي
118
الإكسير في علم التفسير
وكذا قول بعضهم يصف رقعة جاءته من صديق له : « فأنارت إنارة الزواهر ، فالأذهان منها كالعانة في فلكها الدائر » ، فإن العانة مشترك بين جماعة حمر الوحش ، والشعر حول القبل ، وكواكب في السماء تحت القوس ، فبذكره الفلك ، علم أن المراد : هذا المعنى الأخير ؛ لملازمة الكواكب له . واعلم أن القرينة قد تكون قوية فتميز بين المشتركين تمييزا تاما ، وقد تكون ضعيفة ، فلا تفيد . مثال الأول قوله تعالى : وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقاعِدَ لِلْقِتالِ « 1 » . فإن لفظ المقعد والمقعدة مشترك بين ما يلاقي الأرض من الإنسان إذا قعد ، وبين موضع القعود ، كالمضرب والمقتل ، لكن ذكر القتال في الآية بيّن أن المراد : الموضع ، لا ما يلاقيه . وقرينة أخرى ، وهي : تبوئ ؛ إذ معناها تنزل في قوله تعالى : لَنُبَوِّئَنَّهُمْ مِنَ الْجَنَّةِ غُرَفاً « 2 » أي : بنوا لهم ، وذلك مختص بالمكان وكذا قوله تعالى : فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ « 3 » فالصدق بين المراد . ومثال الثاني قول الشريف الرضي « 4 » : أعزز عليّ بأن أراك وقد خلا * عن جانبيك مقاعد العوّاد فإن « خلا » إضافتها إلى العواد ، قرينة ، لكنها ضعيفة من جهة أن المقاعد أضيفت إلى من يصح استعمالها فيه بالمعنى المستقبح ، بخلاف الآية المذكورة ، فإنها مضافة إلى ما لا يصح استعماله فيه بذلك المعنى : وهو القتال ، ولو قال الشريف الرضي : مجالس ، أو مواطن ، عوض مقاعد ، لخلص من هذه المعرة . ولو لم يذكر القرينة في شعره ، لكان أمره أخف وأسهل .
--> ( 1 ) سورة آل القمر آية 55 . ( 2 ) سورة العنكبوت آية 58 . ( 3 ) سورة القمر آية 55 . ( 4 ) هذا البيت من قصيدة يرثى بها الصابي الكاتب ومطلعها : أعلمت من حملوا على الأعواد ؟ * أرأيت كيف خبا ضياء النادي ؟