حسن محسن حيدر

21

اسباب النزول القرآني

خلاصة واستنتاج إنّ البذور الأولى لبحث أسباب النزول قد غرسها نفس الرسول الأكرم صلّى اللّه عليه وآله وسلّم بين صحابته ، وهذا ما تجلّى واضحا في طيّات كلماته صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ، وبذلك يكون قد وضع صلّى اللّه عليه وآله وسلّم اللبنة الأولى في صرح هذا الباب ؛ وذلك من جهة حثّ المسلمين على الاطّلاع بها . وهذا لا يعني أنّ الرسول صلّى اللّه عليه وآله وسلّم قد أعطى صورة هذا الموضوع كاملة ، « 1 » كما أنّه لم يجعله بابا مستقلا من العلم تكون له أسسه الخاصّة والواضحة ، وإنّما اكتفى صلّى اللّه عليه وآله وسلّم بإشارة أوّليّة تفتح باب المسألة ، وتلفت الانتباه إليها من غير رسم حدودها ومعالمها ، تاركا للأجيال اللاحقة أمر تظهير الصورة بتمامها . وفي الواقع ، اكتفاء النبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم بهذه الإشارة ، وعدم قيامه بتأسيس بنيان هذه المسألة بشكل تامّ ، يبيّن سرّ غفلة بعض الباحثين عن دوره صلّى اللّه عليه وآله وسلّم في هذا المجال ، أو عدم اقتناعهم بهذا الدور . ومن الملاحظ أيضا أنّه لم يرد ، في جميع الوثائق التي وصلتنا ، اصطلاح « أسباب النزول » ، سواء على لسانه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم أم على لسان أصحابه . هذا بالنسبة لدور النبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ، وأمّا تفاعل الصحابة مع واقع أسباب النزول فقد بدا واضحا من خلال ردّة فعلهم تجاه هذا الأمر ، ترقّبا وترويجا ، فكانت نتيجة حركة النبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم في إطار الأسباب أنّها كانت تعيش في عمق وجدانهم . ولكن يلاحظ قلّة الأسباب المنقولة عن الصحابة ، لا سيّما بالقياس إلى الفترات اللاحقة من تاريخ الإسلام ، ويعود ذلك إلى عدّة أمور ، منها أنّه لم يكن ثمّة أسباب شائكة تثير اللغط في المجتمع ، أو حالات ادّعاء مخالفة للواقع ،

--> ( 1 ) . ولعلّ ذلك يرجع إلى عدم تهيّؤ الظروف الموضوعيّة والنفسيّة في تلك الفترة ، فكريّا وثقافيّا ودينيّا ، لتأسيس هكذا بحث ، وإشاعته بين المسلمين .