البخاري

تصدير 99

صحيح البخاري ( ط أوقاف مصر )

وقد كان البخاري يعتقد أن محمّد بن يحيى حسده فصنع ما صنع ، ولا نشك في أن كثيرا من شهود الواقعة كانوا يعتقدون مثله ، ولكن محمّد بن يحيى كان ذا جاه عريض ، وصاحب سلطان قوى على أهل العلم في نيسابور ، ولهذا امتثل الناس له ، وانقطعوا عن البخاري ، إلّا مسلم بن الحجاج وأحمد بن سلمة ، وكانا من تلاميذ الذهلي ، فقال يوما بمحضر منهما : « ألا من قال باللفظ فلا يحل له أن يحضر مجلسنا » ، فأخذ مسلم رداءه فوق عمامته ، وقام على رؤوس الناس ، فبعث إلى الذهلي جميع ما كان كتبه عنه ، على ظهر جمال . ( هدى الساري 2 - 204 ) . أما أحمد بن سلمة فإنّه ذهب إلى البخاري ، وشرح له حال محمّد بن يحيى ، وكأنّه كان قاصدا أن يعذر إلى البخاري إذا انقطع عن مجلسه ، ولكن الأمر انتهى على وجه آخر ، وخرج البخاري من نيسابور ، ليعفى ابن سلمة وأمثاله من الحرج بينه وبين ابن يحيى الذهلي ، وأحمد بن سلمة يقص القصة ، فيقول : « دخلت على البخاري ، فقلت : يا أبا عبد اللّه ، إن هذا رجل مقبول بخراسان خصوصا في هذه المدينة ، وقد لجّ في هذا الأمر ، حتى لا يقدر أحد منا أن يكلمه فيه ، فما ترى ؟ قال : فقبض على لحيته ، ثمّ قال : « وأفوض أمرى إلى اللّه إن اللّه بصير بالعباد » اللّهمّ إنك تعلم أنى لم أرد المقام بنيسابور أشرا ، ولا بطرا ، ولا طلبا للرياسة ، وإنّما أبت عليّ نفسي الرجوع إلى الوطن لغلبة المخالفين ، وقد قصدني هذا الرجل حسدا لما آتاني اللّه لا غير » ، ثمّ قال لي : « يا أحمد ، إني خارج غدا لتخلصوا من حديثه لأجلى » .