البخاري
تصدير 85
صحيح البخاري ( ط أوقاف مصر )
وهي قوة العزم وثبات التصميم ، والاستمساك بما يرضى عنه ضميره ، وإن كان له في الحلال معدل عنه ، ولذلك كان - رحمه اللّه - إذا عقد النية على أمر أنفذه ، ولم يثنه عنه مغريات الدنيا وإن عظمت ، وقد ساومه التجار على ربح خمسة آلاف درهم في بضاعة حملت إليه ، فصرفهم إلى الصباح دون أن يعقد لهم البيع ، وجاءه مع الغداة من يطلبونها بضعف هذا الربح ، فردّهم وقال : إني نويت البارحة أن أدفعها إلى الأولين ، فدفعها إليهم ، وقال : لا أحبّ أن أنقض نيتي ( هدى الساري 2 - 195 ) . وبقوة عزمه ملك زمام نفسه ، وقمعها بالصبر الشديد على العسرة ، وروّضها على خشونة العيش ، وإن كثر المال ، ولذلك كان من الواضحات في خلاله : عزة النفس ، وأخذها بالزهد . وفي عزة نفسه يكتم من خلل حاله ما تذلّ له أعناق الرجال ، وقد تتأخر عنه نفقته ، ويصادف من العدم ما يعز معه القوت ، ويمتنع عليه الثوب ، فيصبر على الجوع بأكل الحشيش ، ( هدى الساري 2 - 195 ) ويستر عرى الجسد بجدران البيت ، ( طبقات الشافعية 2 - 217 ) . كل هذا وهو متجمل لا يشعر الناس بحاجته ، ولو شعروا لغمروه بواسع الهبات ، ولو استقرضهم ما انقبضت عن قرضه يد ، ولكان في وسعه الوفاء عند حضور ماله ، ولكنه لا يقبل أن يكون لأحد عليه فضل ، ويؤثر حمل الشدّة على حمل المنّة ، ويصون