البخاري

تصدير 53

صحيح البخاري ( ط أوقاف مصر )

أمامه وعلى ترتيب الإلقاء ، وهي ناطقة في الوقت نفسه بتمكن حفظه ودرجته العالية في السلامة ، حيث ردّ هذه الأحاديث المائة إلى أوضاعها الصحيحة ، واكتسب بذلك شهادة المجلس . ومثل قصته مع البغداديين قصته مع السمرقنديين ، التي يرويها أبو الأزهر حيث يقول : « كان بسمرقند أربعمائة محدث ، فتجمعوا ، وأحبوا أن يغالطوا محمّد بن إسماعيل ، فأدخلوا إسناد الشام ، في إسناد العراق ، وإسناد العراق في إسناد الشام ، وإسناد الحرم في إسناد اليمن ، فما استطاعوا مع ذلك أن يتعلّقوا عليه بسقطة » ( هدى الساري 2 - 200 ) . والبخاري - مع ذلك - لم يركن إلى هذه الحافظة القوية ، ولم يطلق لها الأمان ، فقد كان يتخوّنها دائما ، ويتعهدها بما يجنبها غرور الثقة ، ويحميها من الخديعة بحسن الظنّ ، فلا يكلها لقوتها المشهود بها ، بل يأخذها بالتّهمة ، ويضعها موضع الاختيار الدائم ، فيواصل النظر لمحاسبتها ، وللمراجعة عليها ، وليضمن سلامتها في كل حين ، هذا هو منهجه في تربية حافظته وسبيله في التوثّق منها ، ويؤكده ردّه على ابن أبي حاتم حين سأله عن دواء الحفظ ، فقد قال فيما قال له : « لا أعلم شيئا أنفع للحفظ من تهمة الرجل ومداومة النظر » ( هدى الساري 2 - 201 ) . وما كان قيامه في الليلة الواحدة ، من خمس عشرة مرة إلى عشرين مرة ، إلّا ضربا من رياضة الحافظة ، ونوعا من المراجعة عليها ، والاستيثاق منها .