البخاري
تصدير 4
صحيح البخاري ( ط أوقاف مصر )
صحيح البخاريّ ) ورزق اللّه هؤلاء الأصحاب بصائر نيّرة ، وعقولا مفكرة ، وألسنة معبّرة ، وحافظة واعية ، ونفوسا شريفة عالية ، فوعوا ذلك كله وحفظوه وتحدثوا به فيما بينهم ، ثمّ تفرقوا - بعد الفتوح - في الأقاليم والأمصار ، فنقل كلّ واحد منهم ما وعاه صدره إلى من اتّصل به من أهل هذه الأقاليم وهذه الأمصار نقلا أمينا ، وتتابع النقل من الحافظة حتّى كتب الأمير المرواني العادل عمر بن عبد العزيز إلى أبى بكر بن حزم « انظر ما كان من حديث رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم فاكتبه ، فإني خفت دروس العلم وذهاب العلماء ، ولا تقبل إلّا حديث النبيّ صلّى اللّه عليه وسلم ، ولتفشوا العلم ، ولتجلسوا حتّى يعلّم من لا يعلم ، فإن العلم لا يهلك حتّى يكون سرا - ص 88 و 89 من هذه الطبعة من صحيح البخاريّ » وحينئذ بدأ حفّاظ الحديث يدوّنون ، وبدأ بعض ذوى الهمم العالية يرتحلون من مصر إلى مصر ، ومن إقليم إلى إقليم ، رغبة في سماع ما عند أهل المصر الآخر من حديث رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، سواء في ذلك ما نقل إليهم رواة إقليمهم مثله ، أو ما انفرد به أهل الإقليم الآخر ، ويسند كل منهم ما سمعه عمن سمعه منه ، ويسند المحدّث ما يرويه عمن أخذه عنه ، وهكذا حتّى يصل به إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم فكان لهذه الرحلة ولهذا الإسناد ما لم يعهده الناس في أمة من الأمم قبل المسلمين . وكثر ذلك حتّى دخل في الأمر من ليس أهلا له ، إما لضعف حافظته ، وإمّا لسوء دخيلته ، فاضطر أهل البصر من رجالات الرواية إلى أن يبحثوا في أحوال الرّواة ، وفي صحة لقائهم لمن يسندون مرويّاتهم