البخاري
تصدير 33
صحيح البخاري ( ط أوقاف مصر )
وما أكثر ما ترك البخاري من رواة ومرويات ، يقول محمّد بن أبي حاتم : سمعته يقول ، وقد سئل عن خبر حديث : « يا أبا فلان ، تراني أدلّس ؟ ! تركت أنا عشرة آلاف حديث لرجل فيه نظر ، وتركت مثلها أو أكثر منها لغيره لي فيه نظر ؟ » ( هدى الساري 2 - 196 ) . والنظران في هذا الخبر يختلفان ، فأولهما بحسب المقاييس المعتبرة عند غيره في الجرح والتعديل ، والثاني بحسب مقاييسه الخاصّة ، وهي أشدّ من تلك ، وأدق في نخل الرواة ، وبهذا النظر وذاك اطرح كثيرا من الرجال الذين شدّ إليهم الرحال . وهؤلاء المطرحون لم يعدم البخارىّ استفادة من لقائهم ، فقد عرفهم وحفظ أحاديثهم ، عرفهم ليبتعد عن كل سند دخلوا فيه ، وحفظ أحاديثهم ليبرىء من عوارها مروياته وكتبه ، ولهذا لا نعجب إذا سمعناه يقول : « أحفظ مائة ألف حديث صحيح ، ومائتي ألف حديث غير صحيح » ( هدى الساري 2 - 202 ) ومهما تكن القيمة لما أفاده البخاري من لقاء هؤلاء المطّرحين ، فإنه لا يعتبرهم شيوخا له ، وإنّما شيوخه أولئك الذين وثق فيهم ، واستحقوا عن جدارة أن يروى لهم ، وهم على التحديد أولئك الذين كتب عنهم ، وأحصى عدّتهم بألف وثمانين ، وسواء في الأستاذية له ، من كانوا منهم فوق سنه ، أو مضاهين له ، أو أدنى منه ، فهو لا يقيس المشيخة بالأعمار ، ولكن يقيسها بالعدالة ، والضبط ، ونزاهة الرواية ،