البخاري

تصدير 17

صحيح البخاري ( ط أوقاف مصر )

نبيلة كلّ النّبل لا ترضى أن يحرم ابنها من الظهور فيها ، بل تتمنى أن يحتل منها أكرم مكان . والمعنى الثاني : تستوحيه من ذكرى زوجها الراحل . فهي تتمثّله دائما في أروع ما عرفت من صفاته . تتمثّله رجلا عصاميّا نفض عن نفسه خمول أسرته ، وشقّ بعلمه طريق المجد والذكر مع النابهين . وهي تحبّ لهذه الذكرى أن تدوم ، وتعرف السبيل إلى دوامها . وهو أن ترى معالم سيرته حية في واحد من بنيه ، وليحقق اللّه أملها هذا وفّقها كل التوفيق في تنشئة ابنها الصغير محمد . فوجهته إلى الدرب الذي سلكه أبوه من قبل ، فأتم رسالته ، وتجاوز القمة من السّلّم الذي لم يصعد فيه الراحل غير درجات . [ شروع حركته العلمية وحفظه للحديث ] والعهد الذي عاشه البخاري في كنف أمه كان عهد استقرار وإقامة دائمة ، اللّهمّ إلّا أمدا قصيرا من نهايته ، هذا الأمد عاشه أيضا في صحبتها ، ولكنها كانت صحبة سفر ، حيث ارتحلت به لحجّ بيت اللّه ، وهناك افترقا ، فحين انتهى الموسم عادت هي إلى وطنها بخارى ، وبقي هو في الحجاز ليتابع الحياة على نحو جديد . وهذا العهد يشكل في حياة البخاري أخطر أطوارها وأبعدها أثرا في تحقيق نجاحه ، فهو - على قصره - طور التأسيس والتكوين . فيه تفتّحت مداركه ، وتكشفت ميوله ، وفيه تمّ صقله ، وتكامل نضجه ، وفيه اجتمع له من العلم ذخيرة غنية ، جمعها بالقراءة والحفظ من الكتب ، وبالسماع والتحمّل عن الشيوخ ، وبالحوار والمناقشة في مجالس الدرس ، جمعها بكل سبيل من سبل الجمع والتحصيل ، واتخذها عتادا وسنادا يعتمد عليه في مقبل أيامه ، ودعائم ثابتة للبناء العلمىّ