عبد الله بن الرحمن الدارمي
88
مسند الدارمي ( سنن الدارمي ) ( ط دارالمغني )
ومع مولد الشافعي أي - منتصف القرن الثاني - تنبه الناس إلى ضرورة تدوين السنة وجمع الأحاديث ذات الموضوع الواحد في مكان واحد ، كأحاديث الطهارة ، وأحاديث الصلاة . . . وقد تفتحت هذه الفكرة كأزهار الربيع في جميع الأمصار في وقت واحد حتى لم يعرف على وجه اليقين من كان له فضيلة السبق ، وكانت الأحاديث التي جمعت في هذه الحقبة من الزمن ممزوجة بأقوال الصحابة والتابعين كما نرى في موطأ مالك . وتبع هؤلاء شيوخ رأوا أن يفردوا حديث رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم عن غيره مما جمع ، فألفت المسانيد التي تجمع كل ما رواه صحابي في مكان واحد بغض النظر عن موضوع هذه الأحاديث ، وكثرت المجموعات ، وتعددت الطرق ، وعرفت الشواهد والمتابعات ، وأحكم فن الرواية ، وهبت مجموعة من الشيوخ رأوا أن يختاروا من هذا المجموع أصحه ، وكان في طليعة هؤلاء الإمامان الجليلان : محمد بن إسماعيل البخاري المتوفي سنة ( 256 ) ، ومسلم بن الحجاج المتوفي سنة ( 262 ) . ويأتي في المرتبة الثانية بعد هذين الشيخين اللذين إليهما كان المنتهى أصحاب السنن الأربعة الذين حذوا حذو الشيخين ، وهناك غيرهم كثير ولكنهم لم ينالوا من الشهرة ما نال هؤلاء . وقد لخص القاضي الحنفي ، الإمام أبو زيد الدبوسي المتوفي سنة ( 430 ) ما حدث من تطور في مفهوم الفقه في كتابه « تقويم الأدلة » فقال : « كان الناس في الصدر الأول - أعني الصحابة والتابعين والصالحين - يبنون أمورهم على الحجة ، فكانوا يأخذون بالكتاب ثم بالسنة ، ثم بأقوال من بعد رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ما يصح بالحجة ، فكان الرجل يأخذ بقول عمر في مسألة ، ثم