عبد الله بن الرحمن الدارمي
74
مسند الدارمي ( سنن الدارمي ) ( ط دارالمغني )
لقد كانت هذه السنوات بكل ما فيها دورة تدريب ، وفترة إعداد روحي يجلو الصدأ عن القلب ، ويضيء ظلمات النفس ، ويهذب الوجدان ، ويوثق الصلة بين العبد وبين خالقه ليكون أهلا للتكاليف التي سيتتابع نزولها أحكاما لوقائع الحياة المتجددة ، التي تحدث أثناء مسيرة الحياة ، لا حلولا لافتراضات تتصور ثم توضع لها الحلول . فالإسلام شريعة ومنهج لتطبيق هذه الشريعة ، ولا يجوز بحال فصل أحدهما عن الآخر ، لأن غاية الدين ليست تطبيق أحكامه وحسب ، وإنما هدفه وغايته تطبيق هذه التشريعات وفق المنهج الإلهي الذي أوحى اللّه تعالى به إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم المتفرد بضرورة الاقتداء به لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كانَ يَرْجُوا اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً [ الأحزاب : 21 ] . ولهذا أيضا ينبغي أن ندرك أن العبادة مرتبطة بالعقيدة ارتباطا عضويا ، ذلك لأن العبادة تعبير عن العقيدة ، فإذا انفلتت منها وابتعدت عنها ، غدت عبادة سلبية عقيمة كالبذرة التالفة لا تنبت شجرة ، ولا تصلح ثمرة . فالعقيدة لها الأثر العظيم في حراسة العبادة ، فهي الحافز لها ، والحافظ والمحرك الإيجابي الباعث عليها . وهي التي تمدها بالنسغ الذي تستمد منه حياتها . إنها تحول دون التقصير في أدائها ، وهي السبب في الاهتمام بإتقانها وأدائها بخشوع « اعبد اللّه كأنك تراه ، فإن لم تكن تراه فإنه يراك » . والعبادة هذه هي التي تستمد من العقيدة حياتها وفاعليتها وقوتها على الدفع والأداء المتقن ، وهي في الوقت ذاته التي تمد الأخلاقيات السامية بعوامل الاستمرار والقيام بها ، فما العبادة في مضمونها السامي إلا وسائل