عبد الله بن الرحمن الدارمي
62
مسند الدارمي ( سنن الدارمي ) ( ط دارالمغني )
والوجدان ، تغني عقل الإنسان ، وهي أغنى منه ، تمنحه رؤية واضحة ، وزادا كافيا ، وأبعادا شاسعة ، وتبقى دائما محلقة فوقه ، يرتقي لإدراكها فترتفع مغرية إياه بالصعود إليها ، لأن القرآن الكريم كلما زدته فكرا ، زادك معنى ، فهو منك قريب كالروح في جسمها البشري ، ولكنه بعيد كالروح في سرها الإلهي ، فهو معك على قدر ما تكون معه . والعقيدة ليست فكرة جامدة تقبع في زاوية من زوايا الذهن ، خالية من التأثير ، فاقدة للقدرة ، لا تملك نبض الحياة ، بل هي أفكار حية تنقل الإنسان إلى مستواها لأنها تقوده من الداخل عن طواعية واقتناع ، وبذلك فهي التي تصوغ وجود الإنسان كله وفق منهج معين . ولست واجدا أنصع بيانا من التعبير عن السبيل التي صنعت جيل الصحابة ، الجيل الفريد ، الذي كان - ولا زال - أعجوبة الزمن في صنع الفرد وفي بناء المجتمع ، من قول صاحب المعالم تغمده اللّه في رحمته : « كان النبع الأول الذي استقى منه ذلك الجيل - جيل الصحابة - هو نبع القرآن : القرآن وحده ، فما كان حديث رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وهديه إلا أثرا من آثار ذلك النبع : فعندما سئلت عائشة - رضي اللّه عنها - عن خلق رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قالت : « كان خلقه القرآن » . كان القرآن وحده إذا هو النبع الذي يستقون منه ، ويتكيفون به ، ويتحرجون عليه . ولم يكن ذلك كذلك لأنه لم يكن للبشرية يومها حضارة ، ولا ثقافة ، ولا علم ، ولا مؤلفات ، ولا دراسات . . . كلا ، فقد كانت حضارة الرومان ، وثقافتها ، وكتبها ، وقانونها الذي