عبد الله بن الرحمن الدارمي

503

مسند الدارمي ( سنن الدارمي ) ( ط دارالمغني )

يَسْقُونَ ، وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمْ جَارِيَتَيْنِ تَذُودَانِ ، فَسَأَلَهُمَا ، فَقَالَتَا لا نَسْقِي ، حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعاءُ ، وَأَبُونا شَيْخٌ كَبِيرٌ ، فَسَقى لَهُما ، ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ ، فَقالَ رَبِّ إِنِّي لِما أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ ، فَقِيرٌ [ القصص : 24 ] ، وَذَلِكَ أَنَّهُ كَانَ جَائِعًا خَائِفًا لَا يَأْمَنُ ، فَسَأَلَ رَبَّهُ ، وَلَمْ يَسْأَلِ النَّاسَ ، فَلَمْ يَفْطِنِ الرِّعَاءُ ، وَفَطِنَتِ الْجَارِيَتَانِ ، فَلَمَّا رَجَعَتَا إِلَى أَبِيهِمَا ، أَخْبَرَتَاهُ بِالْقِصَّةِ ، وَبِقَوْلِهِ ، فَقَالَ أَبُوهُمَا : - وهُوَ شُعيْبٌ - هَذَا رَجُلٌ جَائِعٌ ، فَقَالَ لِإِحْدَاهُمَا : اذْهَبِي فَادْعِيهِ ، فَلَمَّا أَتَتْهُ ، عَظَّمَتْهُ ، وَغَطَّتْ وَجْهَهَا ، وَقَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ ما سَقَيْتَ لَنا [ القصص : 25 ] فَشَقَّ عَلَى مُوسَى حِينَ ذَكَرَتْ : أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا ، وَلَمْ يَجِدْ بُدًّا مِنْ أَنْ يَتْبَعَهَا ، إِنَّهُ كَانَ بيْنَ الْجِبَالِ جَائِعًا مُسْتوْحِشًا ، فَلَمَّا تَبِعَهَا ، هَبَّتِ الرِّيحُ فَجَعَلَتْ تُصْفِقُ ثِيَابَهَا عَلَى ظَهْرِهِا ، فَتَصِفُ لَهُ عِجِيزَتَهَا ، وَكَانَتْ ذَاتَ عَجُزٍ ، وَجَعَلَ مُوسَى يُعْرِضُ مَرَّةً ، وَيَغُضُّ أُخْرَى ، فَلَمَّا عِيلَ صَبْرُهُ ، نَادَاهَا : يَا أَمَةَ اللَّهِ ، كُوِني خَلْفِي ، وَأَرِينِي السَّمْتَ بِقَوْلِكِ « 1 » ، فَلَمَّا دَخَلَ عَلَى شُعيْبٍ ، إِذْ هُوَ بِالْعَشَاءِ مُهيَّأً ، فَقَالَ لَهُ شُعيْبٌ : اجْلِسْ يَا شَابُّ فَتَعَشَّ . فَقَالَ لَهُ مُوسَى : أَعُوذُ بِاللَّهِ ، فَقَالَ لَهُ شُعيْبٌ : لِمَ ؟ أَمَا أنْتَ جَائِعٌ ؟ قَالَ : بَلَى ، وَلَكِنِّي أَخَافُ أَنْ يَكُونَ هَذَا عِوَضًا لِمَا سَقيْتُ لَهُمَا ، وَأَنَا مِنْ أَهْلِ بَيْتٍ لَا نَبِيعُ شيْئًا مِنْ دِينَنَا بِمِلْءِ الْأَرْضِ ذَهَبًا . فَقَالَ لَهُ شُعيْبٌ : لَا ، يَا شَابُّ ، وَلَكِنَّهَا عَادَتِي ، وَعَادَةُ آبَائِي ، نُقْرِي الضَّيْفَ ، ونطْعِمُ الطَّعَامَ ، فَجَلَسَ مُوسَى ، فَأَكَلَ . فَإنْ كَانَتْ هَذِهِ الْمِائَةُ دِينَارٍ عِوَضًا لِمَا حَدَّثْتُ ، فَالْمَيْتَةُ ، وَالدَّمُ ، وَلَحْمُ

--> ( 1 ) في المطبوعات زيادة « ذا » .