الإمام أحمد بن حنبل
43
مسند الإمام أحمد بن حنبل ( ط الرسالة )
يغزو بلادَ الرومِ ، فحُمِل إليه الإِمامُ مقيَّداً ، وما إن وَصَل إلى الرَّقَّةِ حتى جاء نَعْيُ المأمون ، فَرُدَّ إلى بغداد ، وسُجِن فيها « 1 » . وتولَّى المعتصمُ الخلافةَ ، وراح يُكْمِلُ ما بدأ فيه أخوه نزولًا عند وصيته ، فأحضر الإمامَ أحمد من سجنه - وكان قد مرَّ عليه فيه سنتان وأربعةُ أشهرٍ - « 2 » وناظره في قصره مدةَ ثلاثةِ أيام « 3 » ، وحين أعياه ثباتُ الإِمام أحمد وجرأته أَمَر بضَرْبِه ، وذلك بمشورة قاضي قضاته المعتزلي أحمد بن أبي دُوَاد ، فقام الجلادون بضربه بالسياط ضرباً مُبَرِّحاً أشرف فيه على التلف ، وكي لا تقومَ العامَّةُ الهائجة خارجَ القصر باضطراب لا يُعرف كيف السبيلُ للسَّيطرةِ عليه ، أمر المعتصم بالإِفراج عنه ، وهو يظن في نفسه أنه ميتٌ لا مَحالة « 4 » ، فأفرج عنه سنة ( 220 ه ) ، ولكن الإِمام أحمد تماثل للشفاء وإنْ بَقِيَتْ آثار ضربه ظاهرة على جسده ، وعاد إلى ما كان عليه من التحديث والفتيا وحضور الجمعة والجماعة ، وظلَّ كذلك حتى وفاة المعتصم سنة ( 227 ه ) وولاية الواثق إلى أوائل سنة ( 228 ه ) « 5 » ، إذ عاد الواثق إلى إثارة محنة خَلْق القرآن من جديد ، وطلب أن تُدَرَّس هذه المسألةُ للصبيان في الكُتَّاب ، فضجَّ الفُقهاءُ والمحدثون لهذا الأمر ، وكادت أن تقع فتنة لولا أن الإمامَ أحمد أمرهم بالصبر حين قصدوه يُعلِنُون تبرُّمَهم من هذا الأمر ، وعلم الواثقُ بخبر هذا الاجتماع ، فأرسلَ إلى الإِمام أحمد : أن لايجتمعنَّ إليك أحدٌ ، ولا تُساكنِّي بأرضٍ ولا مدينةٍ أنا فيها ، فاذهب حيثُ شئتَ من أرض اللَّه . فلزم الإِمام أحمد بيته لا
--> ( 1 ) السير : 11 / 238 ، 242 - 243 ، مناقب الإمام أحمد لابن الجوزي : 316 . ( 2 ) السير : 11 / 252 . ( 3 ) السير : 11 / 243 - 252 . ( 4 ) السير : 11 / 260 - 261 . ( 5 ) السير : 11 / 312 .