الإمام أحمد بن حنبل
15
مسند الإمام أحمد بن حنبل ( ط الرسالة )
سعادةَ الدَّارَيْنِ بمتابعته ، وجعل شقاوةَ الدارين في مخالفته ، فلأتباعه الهدى والأمنُ ، والفلاحُ والعزّةُ ، والكفايةُ والنُّصرةُ ، والولاية والتأييدُ ، وطيبُ العيش في الدنيا والآخرة ، ولمخالفيه الذِّلةُ والصِّغارُ والخوفُ والضلالُ ، والخِذلان والشقاءُ في الدنيا والآخرة ، وقد أَقسم صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بأن لا يُؤْمِن أَحَدُكُم حتى يَكُونَ هو أَحبَّ إليه مِن ولدِهِ ووالدِهِ والناسِ أَجمعين ، وأَقْسَمَ اللَّه سبحانه بأن لا يؤمن من لا يُحكِّمُه في كل ما تنازع فيه هو وغيرُه ، ثم يرضى بحكمه ، ولا يجدُ في نفسه حرجاً مما حكم به ، ثم يُسَلِّمُ له تسليماً ، وينقادُ له انقياداً ، وقال تعالى : وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ فَقَطَع سبحانه وتعالى التَّخييرَ بعد أمره وأمرِ رسولِهِ ، فليس لمؤمنٍ أن يختارَ شيئاً بعد أمره صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، بل إذا أَمرَ فأمرُه حتم ، وإنما الخِيَرَةُ في قولِ غيره إذا خَفي أَمْرُهُ ، وكان ذلك الغيرُ مِن أهل العلم به وبسنته ، فبهذه الشروطِ يكونُ قولُ غيره سائغَ الاتباع ، لا واجبَ الاتباع ، فلا يجب على أحدٍ أتباعُ قولِ أحدٍ سواه ، بل غايتُه أنه يسوغُ له اتباعُه ، ولو تَرَكَ الأخْذَ بقول غيره ، لم يكن عاصياً لله ورسولِه ، فأَينَ هذا ممن يَجِبُ على جمِيعِ المكلَّفينَ اتِّباعُه ، ويَحْرُمُ عليهم مخالفته ، ويجبُ عليهم تركُ كُلِّ قول لِقوله ، فلا حُكْمَ لأحدٍ معه ، ولا قولَ لأحدٍ معه ، كما لا تشريعَ لأحدٍ معه ، وكل مَنْ سواه ، فإنما يجب اتباعُه على قوله إذا أَمَرَ بما أمر به ، ونهى عما نهى عنه ، فكانَ مُبَلِّغاً محضاً ، ومخْبراً لا مُنْشِئاً ومُؤسِّساً ، فمن أَنْشأَ أَقوالًا وأَسَّسَ قواعِدَ بحسب فهمِه وتأويلِه ، لم يجب على الأُمَّةِ اتِّباعُها ، ولا التحاكمُ إليها حتى