الإمام مالك
55
موطأ الإمام مالك ( مؤسسة زايد )
مما لا شك فيه أن في الأرقام المذكورة مبالغة كبيرة ، سببه تفكير بعض العلماء كيف يكون الإمام مالكٌ إماماً وحصيلةُ الحديث في كتابه زهاء سبعمائة حديث ، وبالمراسيل والبلاغات ما يقارب الألف . وقد قال ابن المديني : « لمالك نحو ألف حديث ، يعني مرفوعة » « 1 » . والجواب المحكم للاستغراب عن قلة أحاديث مالك يكمن في النصوص الآتية : قال الشافعي وذكر الأحكام والسنن ، فقال : « العلم - يعني الحديث - يدور على ثلاثة ؛ مالك بن أنس وسفيان بن عيينة والليث بن سعد » وذكر الشافعي أحاديث الأحكام فقال : « تدور على أربعمائة ونيف أو خمسمائة » « 2 » . وقال البويطي : سمعت الشافعي يقول : « أصول الأحكام نيّف وخمسمائة حديث ، كلها عند مالك إلا ثلاثين حديثاً ، وكلها عند ابن عيينة إلا ستة أحاديث » « 3 » . وقال ابن القيم : « أصول الأحكام التي تدور عليها نحو خمسمائة حديث ، وفرشها وتفاصيلها نحو أربعة آلاف حديث » « 4 » . فبراعة الإمام مالك هو في انتقائِهِ للأحاديث القليلة التي هي مدار أحاديث الأحكام . وقد أشار إلى هذا الشيخ ولي اللَّه الدهلوي فقال : « ومن تتبع مذاهبهم ، ورزق الإنصاف من نفسه علم لا محالة أن الموطأ عُدة مذهب مالك وأساسه ، وعمدة المذهب الشافعي وأحمد ورأسه ، ومصباح مذهب أبي حنيفة ونبراسه ، وهذه المذاهب بالنسبة للموطأ كالشروح للمتون ، وهو منها بمنزلة الدوحة من الغصون ، وإن الناس وإن كانوا من فتاوى مالك في رد وتسليم وتنكيت وتقويم فما صفا لهم المشرب ، ولا تأتى لهم المذهب إلا بما سعى في ترتيبه واجتهد في تهذيبه . قال الشافعي لذلك : ليس أحد أمنّ عليَّ في دين اللَّه من مالك .
--> ( 1 ) سير أعلام النبلاء 8 : 99 . ( 2 ) مسند الموطأ للغافقي ص 110 المطبوع . ( 3 ) الإرشاد في معرفة علماء الحديث للخليلي ص 194 . ( 4 ) إعلام الموقعين 2 : 251 .