السيد محمد الصدر
62
منة المنان في الدفاع عن القرآن
الاستعاذة تكون من كلا هذين القسمين . وجواب ذلك ، ولو كأطروحة احتمالية : إننا قلنا : إن الوسواس هو حديث النفس . وهذا قرينة على أن من يقوم به هو الشيطان بالمعنى المعروف . فإن شياطين الإنس لا يوسوسون وإنما يتحدثون بكلام مسموع ، فلا يكون وسواسا . مضافا إلى أن الخناس هي صفة للشيطان وشياطين الإنس لا يخنسون . إذن فشياطين الإنس غير مقصودين من السورة بل لا بد ، بهذه القرائن المتصلة من حمل الْوَسْواسِ الْخَنَّاسِ على الجن . لأن الشيطان كانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ « 1 » . وهذا يدلنا على أن السياق ينفي ما قالوه من أن الشيطان يؤثر على الإنسان فقط . بل إنه يوسوس في صدور الناس الذين هم مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ فالجنّة والناس ليست صفة منقطعة للوسواس الخناس ، كما قال صاحب الميزان « 2 » ، بل هي صفة متصلة للناس . قال في هامش العكبري « 3 » : إن إطلاق « الناس » على الجن غير مناسب ، وذلك لأن الجن إنما سموا بذلك لاختفائهم . وإنما سمي الناس ناسا لظهورهم ، وهذا تهافت . وجواب ذلك : إننا لا نسمي الناس ناسا لظهورهم ، بل لكونهم أفرادا متعددين يشكلون طبقة أو مجتمعا أو نحو ذلك ، وهذا موجود في الجنّ والإنس معا ، على ما ينقل من صفاتهم . هذا أولا . وثانيا : إن الاستعمال يمكن أن يكون مجازيا ، في إطلاق الناس على الجنّ ، بعد وجود قرائن سياقية عليه . فإن قلت : إن الشيطان لا يوسوس في صدور الجن ، لأنه لا يناسب
--> ( 1 ) الكهف / 50 . ( 2 ) ج 20 ص 397 . ( 3 ) ج 2 ص 161 .