السيد محمد الصدر

368

منة المنان في الدفاع عن القرآن

نعم ، تطور الدين في زمن موسى عليه السلام ، ولكن تطوره كان في فروع الدين ، لا في أصوله ، وأما الزيادة في زمن عيسى عليه السلام ، فقد كانت التبشير بالمستقبل المقدس للبشرية . إذن ، فالمبشر الرئيسي بالتوحيد هو إبراهيم ، في عالم الثبوت والواقع . وإذا تنزلنا عن ذلك ، نقول : إنه عليه السلام أحسن من بيّن ذلك إثباتا ، حتى نوح عليه السلام لم يستطع ذلك . لأن مجتمعه كان أغلبه كفارا ولم يؤمن به إلّا القليل ، حتى أخذه الطوفان . وأما آدم ، فقد كان عدد البشر في زمنه قليلا جدا . ومع التنزل عن كل ذلك ، يكفي أن يكون الأمر ترغيبا للمتدينين . السابقين على الإسلام للدخول في الإسلام ، وأنهم إذا دخلوه كانوا حنفاء أيضا ، بل كانوا أيضا ، على دين الجماعة القيّمة ، وهم إبراهيم وموسى وعيسى ومحمد عليهم السلام . الرابع : من مستويات الحديث عن لفظ الحنفاء : أن ندعي ، كأطروحة ، أن حنفاء بمعنى مخلصين ، لأكثر من قرينة : أولا : إن حنفاء إن كان بمعنى الموحدين أو الملتزمين بدين إبراهيم ( ع ) ، صار بمعنى واحد ، كالمترادفين . ونحن نعلم وجدانا أنهما ليسا كذلك . فلا بد أن يكون في حنفاء زيادة في المعنى عن معنى الموحدين . فندعي أنه بمعنى المخلصين . ثانيا : إن الراغب ، كما سمعنا ، قال : الحنف هو ميل عن الضلال إلى الاستقامة . والذي يميل هذا الميل هو المخلص الناصح لنفسه ، والمخلص لربه . وإلّا كان فيه جنف لا حنف . ولكن ليس كل إخلاص هو حنف ، أي ليس المخلص لأي هدف هو حنيف بل حصة منه . فإما أن نقول : إن الحنف هو الإخلاص بدرجة عالية ، بحيث يكون الفرد على استعداد بأن يفدي نفسه وأهله وماله ، وإما أن نقول : إنه الإخلاص للتوحيد أو للدين وليس للدنيا .