السيد محمد الصدر
26
منة المنان في الدفاع عن القرآن
فمثلا : لمجرد الإيضاح ، ليس لنا أن نسأل أنه تعالى : لما ذا جعل آيات سورة البقرة طوالا وآيات سورة ق قصارا ؟ أو أنه لما ذا جعل النسق في السورة الفلانية بالنون والأخرى بالقاف والأخرى بالميم ؟ وهكذا . فإنها كلها أمور اختيارية غير قابلة للمناقشة . ومنها : إن قصور اللغة يمكن أن يكون هو المسؤول عن كثير من الظواهر الكلامية . في حين أن التوسع في اللغة هو الحاجة الضرورية لكثير من الأمور كالقوافي الشعرية والسجع ولزوم ما لا يلزم ، كما في لزوميات المعري ومقامات الحريري وغيرها . فإذا لم يوجد في صدد معين إلّا ثلاث كلمات أو أربع اضطر المتكلم إلى حصر حديثه في نطاق ضيق أو إلى تكرار العبارات نفسها لإتمام مقصوده . وهذا هو الذي أعنيه من قصور اللغة . وهو باب واسع قد لا يقتصر على هذا المجال . ولعل هذا هو الذي يفسر لنا عددا من ظهور النسق القرآني ، أعني نهايات الآيات ، أو الرويّ وهو ما قبل النهاية . كتكرار لفظ الناس في سورة الناس ، والتكرار في سورة « ق » و « ص » وغيرهما . ومن ذلك تغير النسق في سورة مريم بمقدار ست آيات ونحو ذلك . فإن قلت : ولكن اللّه قادر على كل شيء ، فهو قادر على أن يوجد كلمات كثيرة غير مكررة لحفظ النسق . قلت : هذا وهم . فإن القدرة وإن كانت تامة ولا نهائية في ذات اللّه سبحانه ، لكنها تتعلق بالممكن والمقدور . أما المستحيلات فلا تتعلق بها القدرة ، كما هو المبرهن عليه في محله من علم الكلام ، لقصور الموضوع لا لقصور الفاعل . ومن جملة قصور الموضوع ، قصور اللغة ، فإنها ليس فيها من الكلمات ما يكفي لأجل سد الحاجة . ولا يمكن اختيار الكلمات إلّا بالمقدار المناسب مع المجتمع وما يفهمه الناس ، ولا يمكن أن نتكلم بكلام غير مفهوم باعتبار إتمام السجع أو النسق أو الرويّ ، بطبيعة الحال .