السيد محمد الصدر

134

منة المنان في الدفاع عن القرآن

ويكون قوله : وَلا أَنْتُمْ عابِدُونَ ما أَعْبُدُ مكررا لفظا لا معنى ، فيندفع ما ذكرناه من الإشكال على القاضي عبد الجبار . إلّا أن هذا الوجه قابل للمناقشة : فإن توزيع ما المصدرية والموصولة ، بهذا الترتيب أو ذاك ، أمر اقتراحي لأجل تصحيح السياق ليس إلّا . ولا توجد قرائن متصلة عليه . مضافا إلى أن السياق يدل على وحدة المدلول . ووحدة السياق قرينة ظهورية صحيحة في علم الأصول . فأما أن نحمل « ما » على الموصولية في جميع الآيات ، أو نحملها على المصدرية ، فيرجع التكرار في كلتا الحالتين . فإن قلت : إن التكرار لغو ولا يصدر منه سبحانه . قلت : إن اللغوية إنما تعين هذا الوجه مع الانحصار به . وليس الأمر كذلك لصحة بعض الوجوه الأخرى غير هذا الوجه ، كما سبق . الوجه الرابع : إن الاشتقاق يختلف . فإذا اختلف اختلف معنى المادة . فإن أحدهما فعل مضارع وهو لا أَعْبُدُ والآخر اسم فاعل وهو قوله وَلا أَنا عابِدٌ . وباختلاف الاشتقاق ، نحصل على عدة نتائج في مصلحة تغير المعنى وعدم التكرار . الأولى : الفرق اللغوي واختلاف الانطباع العرفي ، بينهما . الثانية : إن الفعل المضارع يفيد الاستقبال ، واسم الفاعل يفيد الحال . الثالثة : إن الفعل المضارع يفيد التأييد بإطلاقه ، يعني لا أعبد إلى الأبد أو الأزل ، وهذا ما لا يفيده اسم الفاعل . فأي من هذه النتائج أخذنا به ، كان في مصلحة عدم التكرار ، لولا وجود التكرار اللفظي الكامل في قوله : وَلا أَنْتُمْ عابِدُونَ ما أَعْبُدُ ، وهو ما لا يشمله هذا الوجه فلا يكون تاما في نفسه . الوجه الخامس : إن الاشتقاق هنا يلاحظ بشكل آخر . ف ( تعبدون ) فعل مضارع يفيد الحال . و ( عبدتم ) فعل ماض ، ومعناه وانطباعه اللغوي