محمود ماضي

68

الوحي القرآني في المنظور الاستشراقي ونقده

بدلالة أحوالهم . ودلالة الأحوال - فيما يرى - تتلخص فيما يأتي : 1 - المتعارف من عادات الناس التي لا تختلف وطبائعهم التي لا تتبدل أن لا يسلموا لخصومهم الفضيلة ، وهم يجدون سبيلا إلى دفعها ، ولا ينتحلون العجز وهم يستطيعون قهرهم والظهور عليهم » « 1 » . 2 - فإذا كان كذلك فكيف يجوز أن يظهر في صميم العرب ، وفي قريش ذوى الأنفس الأبية والهمم العالية . . . من يدعى النبوة ويخبر أنه مبعوث من اللّه تعالى إلى الخلق كافة . . ثم يقول : حجتي كتابا عربيا مبينا تعرفون ألفاظه وتفهمون معانيه . . . إلا أنكم لا تقدرون على أن تأتوا بمثله ولا بعشر سور منه ولا بسورة واحدة . . . ثم لا تدعوهم نفوسهم إلى أن يعارضوه ويبينوا سرفه في دعواه مع إمكان ذلك » . . ؟ « 1 » وقال فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ [ البقرة : 23 ] مبالغة في تقريعهم بالعجز عنه . 3 - هل يجوز أن يخرج خارج من الناس على قوم لهم رئاسة ولهم دين ونحلة فيؤلب عليهم الناس ويدبر في إخراجهم من ديارهم وأموالهم وفي قتل صناديدهم وكبارهم وسبى ذراريهم وأولادهم وعدته التي يجد بها السبيل إلى تألف من يتألفه ، ودعاء من يدعوه دعوى إذا بطلت بطل أمره كله وانتقض عليه تدبيره ، ثم لا يعرض له في تلك لدعوة ولا يشتغل بأبطالها مع إمكان ذلك ومع أنه ليس بمعتذر ولا ممتنع ؟ « 3 » . ولا معنى لهذا إلا العجز التام عن أبطال حجة النبي « صلّى اللّه عليه وسلّم » . ثم يخبر اللّه تعالى أن عجزهم هذا ينسحب على الماضي والمستقبل وذلك في قوله . . فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا يعنى فيما مضى وَلَنْ تَفْعَلُوا أي تطيقوا ذلك فيما يأتي . وفيه إشارة لهم لتحريك نفوسهم ليكون عجزهم بعد ذلك أبدع وهذا من الغيوب التي أخبرهم بها القرآن قبل وقوعها » « 4 » . من هنا لا يجوز لقائل أن يقول : إن كان أهل عصر النبي « صلّى اللّه عليه وسلّم » قد عجزوا عن الإتيان بمثله فإن أهل الأعصار التالية لن يعجزوا ، وذلك لأن أهل ذلك العصر كانوا عاجزين عن الإتيان بمثله فمن بعدهم أعجز لأن فصاحة أولئك . . . مما لا يزيد عليه فصاحة من بعدهم وأحسن أحوالهم أن يقاربوهم أو يساووهم فأما أن يتقدموهم أو يسبقوهم فلا ، فضلا عن أن التحدي في الكل على جهة واحدة والتنافس في

--> ( 1 ) - الجرجاني : الرسالة الشافية ص 119 - 121 . ثلاث رسائل المصدر السابق . ( 3 ) - الجرجاني : الرسالة الشافية ص 119 - 121 ضمن ثلاث رسائل في إعجاز القرآن . ( 4 ) - القرطبي : الجامع لأحكام القرآن ج 1 ص 2201 ، وابن كثير تفسير القرآن العظيم ج 1 ص 59 .